فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 163

"فلابد أن يكون المؤمن أكثر صبرًا من عدوه في المعركة، كما أنه لابد أن يكون صبره أشمل، أي يصبر في كل موقع يستدعي الصبر في السراء والضراء، يصبر على لزوم الطاعة واجتناب المعصية، وبذلك يفوق عدوه الذي يشتد هلعه اذا ظن أن فرصة نصره قد فاتت، أو أنه قد أصبح على شفا الخسران والهلاك فيتزلزل وينفد صبره لفقد ما كان يؤمل حصوله في دنياه، بخلاف المؤمن الذي وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم بأن أمره كله خير، كما في حديث صهيب بن سنان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبرفكان خيرًا له"لأن المؤمن يرجو من صبره تحقيق الهدف الذي خلقه الله له وهو عبادته الموصلة الى رضاه فصبره أثبت إذ كلما طال وقت صبره عظمت حسناته وغفرت خطاياه) [2/ 138 - 139الجهاد في سبيل الله حقيقته وغايته] "

وقال الله تعالى {ياأيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا ان الله مع الصابرين ... الآية} .

يقول الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني (ففي هذا النص يأمر الله الذين آمنوا بأن يثبتوا ويصبروا إذا لقوا عدوهم في معركة من معارك القتال، ففي الثبات والصبر مع سلامة الغاية، وطاعة الله ورسوله، والاشتغال بذكر الله، ووحدة الصف والقيادة، تحقيق الشروط المادية التي منها إعداد المستطاع من القوة، يتحقق النصر المحبوب المرغوب، لأن الله عندئذ يكون مع المؤمنين مؤيدًا وناصرًا، ولايكلهم إلى أنفسهم، دل على ذلك {واصبروا إن الله مع الصابرين} ) [2/ 321 الاخلاق الاسلامية وأسسها] .

فالصبر عامل أساسي من عوامل الثبات على طريق الهجرة والجهاد، فمتى تَخَلَّقَ المسلم بهذا الخُلق العظيم كان الله معه، فينصره على عدوه، كما قال صلى الله عليه وسلم (واعلم أن النصر مع الصبر) وقال (إنما النصر صبر ساعة ... الحديث) .

وقال تعالى في قصة طالوت وجالوت {فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرًا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت ... } ، فتأمل كيف طلب المؤمنون من الله عز وجل إفراغ الصبر عليهم، ذلك أنهم رأوا أنه لاطاقة لهم بعدوهم إلا بهذا، فطلبوا من الله ان يصبه عليهم صبًا وكانت النتيجة هي نصر المؤمنين وهزيمة الكافرين وقتل طاغيتهم جالوت بيد نبي الله داود عليه السلام.

فبالصبر تكون العاقبة محمودة، ويكون الفلاح وحسن الخاتمة وهي الموت على الاسلام، كما أمرنا الله عز وجل بقوله {ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ... الآية} .

والصبر وإن كان مرًا مذاقتُهُ فإن عاقبته أحلى من العسل في الدنيا والاخرة كما قال الشاعر:

لكن عاقبته أحلى من العسلِ ... الصبر مثل اسمه مر مذاقته

ففي الدنيا بالنصر والتمكين وفي الاخرة بالفوز العظيم والاجر الجزيل وصدق الله العظيم اذ يقول {قل يا عباد الذين آمنوا اتقوا ربكم للذين احسنوا في هذه الدنيا حسنة وأرض الله واسعة إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب} .

والحمد لله أولًا وآخرا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت