فحمل القوم أرواحهم على أكفهم تستوقفهم أسوار الكافرين فيدعونهم إلى ثلاث خصال؛ الإسلام أو الجزية أو القتال.
ويسألهم رأس القوم: ما الذي أولعكم بغزونا في ديارنا .. فيقولون كنا كذا وكذا حتى بعث الله فينا رسوله وأُمِرنا على لسانه بقتالكم وأخبرنا ربنا على لسان نبينا: (أن من مات منا سار إلى الجنة لا يعلم ما فيها من النعيم قط إلا الله، ومن عاش منا ملك رقابكم) ، فتذل أعناق القوم .. إما لله ابتداءا فترضى به ربا .. وإما بأيد عباده، فإما إلى صغار وجزية .. وإما إلى رق بعد أسر ..
كنا نرى الأصنام من ذهب ... فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها ... ذهبا وصاغ الحلي والدينارا
ولسان حالهم يقول: لا يدخل بيت مال المسلمين شيء عُبد من دون الله ولو كان ذهبا ..
وأيقن الكفار أن هؤلاء لا طاقة لأحد بهم، وأنهم قدر الله الذي لا يرد، حتى قال رأسهم عندما سمع خبرهم: إن كان ما تقول حقا سيملكون موضع قدمي هاتين ..
وامتدت الفتوحات مع مد الأرض .. حتى لم يجد السحاب غير بيت مال المسلمين موطنا يمطر فيه، فلم يعرف السحاب لغير المسلمين أرضا .. ولا عرف أهل الأرض لغير المسلمين ذلك ..
كأنهم فوق ظهور الخيل نبت ربى ... من شدة الحزم لا من كثرة الحُزم
طارت قلوب العدا من خوفهم فرقا ... فلم تفرق بين البَهم والبُهم
حتى غدت ملة الإسلام وهي لهم ... من بعد غربتها موصولة الرحم
ومع مرور القرون، ورث الأحفاد أمجاد أجدادهم، فرسٌ عُري ومجرب في الحرب، وسيف لا غمد له ولا عيب إلا قطعه الأعضاء، ورقعة بها وصية بالأداء {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ... الآية} .. وأخرى بالوفاء {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها ... الآية} .
وهنالك توقف المد .. ليبدأ التاريخ مرحلة جديدة وهي مرحلة الجزر ..
أجدادنا كتبوا مآثر عزها ... فمحا مآثر عزها الأحفاد