فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 111

أقول هذا غيضٌ من فيضٍ مما يتوارد في الأخبار اليومية عن تقديرات الأزمة العالمية الحالية، وفيما يلي ننتقل من منهجية الوصف للواقع إلى منهجية تحليل أسباب الأزمة.

المطلب الثاني: أهم أسباب الأزمة المالية العالمية

صدرت تحليلات عديدة لتفسير أسباب الأزمة المالية العالمية، ويمكن ذكر أهم أسبابها فيما يلي:

أولًا: التوسع في الاقتصاد المالي"الربوي"على حساب الاقتصاد العيني"البيع": يقوم الاقتصاد العيني على وجود أصول عينية مثل الأراضي والسلع والمصانع والطرق والمأكولات والملبوسات وغيرها، وقد احتاجت إلى وسيلة تسهِّل تبادل هذه السلع فابتُكرت النقود لهدف واحد، وهو تسهيل تبادل السلع والأصول العينية. وهذا هو البيع بألوانه المختلفة في الفقه الإسلامي وغيره من القوانين العالمية، لكن الربا صار صبغة الاقتصاد العالمي ويدار من خلال البنوك وشركات التأمين، حيث لا يقوم البنك أو شركة التأمين بأي نوع من أنواع التعامل في الأصول أو السلع بل يقترض النقود بفائدة محددة ويعيد إقراضها إلى مستثمرين بفائدة أعلى، ويحصل أصحاب البنك على الفرق بين سعر الفائدة التي تُعطى للمودع في البنك وسعر الفائدة التي يأخذها من المستثمر، وبهذا تحولت النقود من وسيلة لمزيد من تحريك السلع وتنشيط الخدمات إلى غاية تُحدث بذاتها التربح دون أن توجد سلع أو أصول تنمو وتتكاثر. والله - سبحانه وتعالى - يقول: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا} [البقرة:275] ، والربا في الإسلام سبب رئيسي من أسباب المحق والبوار والخسران لقوله - سبحانه وتعالى: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ} [البقرة:276] وقال - فيما رواه ابن ماجه َبسنده عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ - رضي الله عنه - عَنِ النَّبِيِّ - قَالَ: «مَا أَحَدٌ أَكْثَرَ مِنَ الرِّبَا إلاَّ كَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهِ إلَى قِلَّةٍ» [1] . يؤكد هذه الحقيقة

(1) سبق تخريجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت