إن مسألة حفظ الأصول وتمثلها المتون، وفهم وفقه هذه الأصول ويمثله شروح تلك المتون وما يستجد عليها من تطبيقات في الحياة هي المنهجية في صناعة الإنسان وهو فيما أحسب أمر محسوم عند من وجه إليه هذا الكتاب وإن كان غير مسلم عند بعض التربويين المعاصرين ممن تتلمذوا على الغرب وتأثروا بمناهجهم وفي الوقت نفسه لم تتح لهم الفرصة للتعمق والتأمل في منهج السلف في التربية والتعليم بسبب انشغالهم بدراسة تخصصهم فهؤلاء تنقصهم الخبرة في هذا المجال.
ولا أقصد بالمتون: المتون العلمية المعروفة المتداولة في دروس العلم وشروحها هذه جزء مما أعنيه وإنما أعني أنه لكل أمر نريد صناعته في الإنسان حتى في تعلم الحرف والمهن، لا بد من (متن) أي ملخص يحفظ لفظه، و (شرح) يوضح معانيه، وبهذه الطريقة يتم ربط المعاني بالألفاظ ويحصل حفظها وتطبيقها.
إن حفظ المتون هي القاسم المشترك بين كل الناجحين في كل الفنون، فهل رأيت أديبا لا يحفظ كما كثيرا من الشعر؟ وهل رأيت عالم رياضيات لا يحفظ جداولها وفرضياتها ونظرياتها، وهل رأيت عالم نفس لا يحفظ أسماء مدارسها وروادها ومناهجها ونظرياتها وفلسفتها .... الخ
إن تربية الإنسان وصناعته باختصار تقوم على تخزين المعلومات أي الأفكار والمعتقدات الصحيحة تخزينا قويا راسخا ثم توضيحها وشرح كيفية تطبيقها، ثم التدريب عليها حتى تثبت.
فأولا يأتي حفظ الألفاظ ثم يأتي شرحها وتوضيحها وبيان صلتها بالحياة ثم تأتي التربية والتعويد على تطبيقها خطوات ثلاث تتزامن باستمرار.
أما من يخلط هذا الترتيب فيخلط بين الحفظ والفهم فقد وضع الأمور في غير مواضعها.
الحفظ في الصغر والفهم في الكبر، فإذا شددنا على الصغير ليفهم ضاع علينا الوقت الثمين للحفظ، وإذا أردنا بناء الكبير وتفهيمه دون حفظ لم نجد