فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 65

وقد جاء في تفسير قوله تعالى: {لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا} , يعني لو أنّنا سوّينا بينهم في كلّ الأحوال لم يخدم أحد أحدًا, ولم يصر أحدًا منهم مسخّرًا لغيره, وحينئذ يفضي ذلك إلى خراب العالم وفساد حال الدّنيا. ولكنّنا فعلنا ذلك ليستخدم بعضهم بعضًا, فتسخّر الأغنياء بأموالهم الأجراء والفقراء بالعمل, فيكون بعضهم لبعض سبب المعاش, فهذا بماله, وهذا بعمله, فيلتئم قوام العالم

وامتدادا لهذه الرؤية فالمال في الإسلام وسيلة لا غاية: فهو وسيلة للعيش الكريم, ولتلبية الحاجات, ومساعدة النّاس, لذلك ذمّ الإسلام حبّ المال الشّديد والتّعلّق به, قال تعالى: {وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمّا} [12] . ولكنّه لم يمنع من التّمتّع به, وإنفاقه بما يرضي الله, يقول تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ}

وحث الإسلام على العمل لتحصيل المال الّذي ينتفع به في هذه الحياة الدّنيا, يقول تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون} [14]

ووجّه الإسلام إلى استخدام المال كما يليق, دون إسراف أو تقتير, ففي الإسراف احتقار للبذل الّذي جاء به المال, وفي التّقتير حبّ للمال وضنّ به, يقول تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاما} [15] .

والإنسان مسؤول عن نشاطه الإقتصادي أمام الله: فإذا سعى بالشّكل الّذي ينال معه رضى الله يكون له الأجر والثّواب, وإذا استعمل طرقًا محرّمة أو مؤذية تنمّ عن أنانيّة أو قصور فكري فيكون عليه الوزر والعقاب من الله تعالى.

وليست هذه المسؤوليّة فقط أمام الله بل هي مسؤوليّة دنيويّة تحدّدها أحكام الشّريعة [16] . يقول تعالى: {وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [17] .

وفي الإسلام أحكام تشريعيّة تحاسب الفرد على نشاطه الإقتصاديّ, فتمنعه من القيام بأيّ نشاط يضرّ الجماعة, أو يؤدّي إلى افسادها, مثل بيع الخمر أو انتاجها, أو زراعة المخدّرات وغير ذلك من أمثال هذه التّجارات, ومنعه أيضًا من الغشّ والتّزوير, فكان المسلم مسؤولًا عن بضاعته وجودتها, وهناك أحكام كثيرة في هذا الشّأن موزّعة في كتب الفقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت