عسى أن يزعزع بذلك ثقة الناس بمذاهبهم، أو يصرفهم عنها إلى رأيه وقوله ...
ولا شك أن هذه الأعمال بغيضة مذمومة لا يقرها شرع ولا عقل، فالأئمة العلماء بشر يخطئون ويصيبون، وقد يضعف استدلالهم في بعض المواطن، ولم يدع أحد منهم العصمة لنفسه، وحسبهم أنهم مأجورون على اجتهاداتهم كيف كانت ...
فلا يبحث عن زلاتهم إلا حاقد حسود، أو عدو لدود، يهدف إلى هدم هذا الكيان العظيم في النفوس، وزعزعة الثقة في الفقه والفقهاء ...
ولقد مر معنا سابقًا -في مقدمة هذا الكتاب- تنبه العلماء المحققين لمثل هذه المواقف والغايات، مما دفعهم إلى التنبيه عليها، والتحذير منها ...
4 -وما يفعله بعضهم بدافع حب الظهور، فيسيء تصوير آراء الآخرين، ويعرضها عرضًا شائنًا، أو يختزل أدلتها ويشوهها، ليبرز على أنقاضها رأيه ومذهبه على أنه الحق المبين، والصواب الذي لا يحتمل الخطأ.
وهذا الذي لا يستطيع أن يقوم إلا على أنقاض غيره، يكشف بعمله هذا عن جهله وضعفه، وإلا لما احتاج لمثل هذا الموقف، واكتفى بعرض رأيه وفهمه مع احترام آراء الآخرين، وترك الفرصة أمام الناس ليناقشوا قوله، ويوازنوا بينه وبين غيره ...
فكم من أقوالٍ لعلماء شقت طريقها إلى الناس، واستحسنها العلماء المحققون فيما بعدهم على الرغم من وجود المذاهب المعتمدة، والآراء المتعددة!!
-تنبيه: قد يتعلل بعض أصحاب هذه المواقف الشاذة بأنهم يقفون هذه المواقف ليعالجوا ما يرون من إفراط أو تفريط في بعض الناس، وكأن الإفراط إنما يعالج بالتفريط، والتعصب إنما يعالج بالجهل!!
فليعلم هؤلاء أن المعالجة الوحيدة، لهذه المواقف إفراطًا أو تفريطًا، إنما هي عن طريق التوعية الصحيحة لأمثال هؤلاء، وذلك بتوضيح الأمور لهم، وبيان حقيقة هذه الاختلافات ونشأتها، وأسبابها، وعرض مواقف السلف منها ...
مع التنبيه إلى مداخل الأعداء من مواقفهم، ووصولهم بها إلى كثير من أهدافهم.
وأي هدف للأعداء أكبر من إثارة الاختلافات؟! وتمزيق الصفوف؟ فلينتبه المخلصون إلى هذه الأهداف، وليكونوا حكماء في معالجاتهم، وإلا فقد قيل قديمًا: عدو عاقل خير من صديق جاهل.