في هذا المقام, انصرف لزامًا إلى هذا النوع من النصوص التي لا يقبل الاجتهاد فيها, وكان إقحام الاجتهاد فيها نوعًا من التقدم بين يدي الله ورسوله, الذي جاء النهي عنه, والتحذير منه, قال تعالى:
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ) )"الآية:1 من سورة الحجرات"وإن تعجب, فعجب موقف بعض طلبة العلم الذين يفهمون هذا الكلام على إطلاقه, فيواجهون المختلفين في مسألة علمية بقول العلماء: (( لا اجتهاد في مورد النص ) )ويحاجونهم فيها ببعض النصوص الشرعية الظنية الدلالة, أو ظنية الثبوت!! وكأن الحكم في قطعية النص وظنيته, فهمهم له, أو قبولهم لسنده!!!
ولو راجع هؤلاء أنفسهم, ودققوا قليلًا فيما روي من خلاف علمي, لرأوا أن جل الاختلافات العلمية من زمن الصحابة رضوان الله عليهم, إلى يومنا هذا, إنما كانت في فهم النصوص الشرعية الثابتة في القرآن أو السنة, أو فيهما معًا, ولعرفوا أن استخدامهم لمقولة العلماء هذه, إنما هو استخدام خاطئ, ووضع للشيء في غير محله!!
هذا عن تعليل الشرط الأول الذي يجعل الخلاف جائزًا مقبولًا ... أما عن تعليل الشرط الثاني؛ فإنه لا يجوز لغير العالم والمجتهد, الاجتهاد في النصوص الشرعية, واستنباط الأحكام الفقهية منها, عملًا بقوله تعالى: (( فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) )"الآية:43 من سورة النحل". وقوله أيضًا: (( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا ) ) (الاسراء:36) .
فإذا فعل ذلك متعديًا متجاوزًا حده، معرضًا نفسه للسؤال والحساب ...
ولكم أخطأ في هذا أناس غفلوا عن هذا الشرط، فقالوا في دين الله برأيهم، وخاضوا في هذا الميدان بجهلهم فضلوا وأضلوا!! وإذا ذكروا به، أخذتهم العزة بالإثم، واحتجوا على من عارضهم بالمقولة الشائعة التي فهمت خطأ، وهي: (( أن لا كهنوتية في الإسلام ) )! وكأنهم فهموها أن لا علماء وغير علماء في الإسلام، وأن الإسلام يرفض التخصص العلمي، ويأبى أن تكون فيه طبقة المجتهدين والمستنبطين للأحكام!!
ومن فهمنا لهذا الضابط من ضوابط الاختلاف العلمي، يتضح لنا الضابط الثاني فيه، وهو: متى يأثم المخالف في الرأي في نظر مخالفه، ومتى لا يأثم؟ فإنه يأثم المخالف في الاجتهاد في نظر المجتهد في الحالات التالية:
أ-إذا لم يكن المخالف في المسألة من أهل الاجتهاد فيها، وذلك لتعديه وتجاوزه حده،