وقوله في دين الله عز وجل بدون علم، كما سبق بيانه.
ب-أن يكون المخالف في نظر المجتهد، مرتكبًا حرامًا، أو تاركًا واجبًا.
فإذا كان المخالف من أهل الاجتهاد، أو كان مرتكبًا مكروهًا، أو تاركًا مندوبًا، فلا يأثم بمخالفته في ذلك.
لأن الواجب على المجتهد الاجتهاد، ولا يجب على مجتهد ما، تقليد غيره في اجتهاده، وكل مجتهد يرى أن قوله صواب ويحتمل الخطأ، وقول غيره خطأ يحتمل الصواب، فكيف يأثم من ذهب إلى صواب في اجتهاده، وتمسك بحقٍ عنده!!
كما أن الآثم في مخالفة الأحكام الشرعية، هو: من ترك واجبًا، أو فعل محرمًا، لا من ترك مندوبًا، أو فعل مكروهًا!! ومن هنا عرف الأصوليون الواجب بأنه: (( ما يستحق فاعله الثواب، وتاركه العقاب ) )، كما عرفوا الحرام بأنه: (( ما يستحق تاركه الثواب، وفاعله العقاب ) ).
فإنه بقدر وضوح مثل هذه الضوابط، تتبين حدود الخلاف الجائز المحمود، والخلاف المذموم المردود، وتتسع الصدور للاختلافات العلمية القديمة والحديثة في حياة الناس، وبقدر الغموض فيها، أو الغفلة عنها، تختلط الأمور، وتتداخل الدوائر، وتتنافر القلوب، وتفترق الصفوف ...
أما الجانب الثاني من جوانب أدب الخلاف العلمي، وهو: الإعذار للمخالف، وحسن الظن به، والعلاقة بين الإعذار في الخلاف، والتخطئة في الرأي:
فإنه إذا صدر خلاف علمي من أهله، وبالضابط السابق، وجب على المخالفين في المسألة من العلماء الآخرين إعذار ذلك المخالف، وإحسان الظن به، وعدم الحكم عليه بالخروج أو الفسق، وما إلى ذلك مما اعتاد بعض المخالفين إصداره من أحكام جائرة على مخالفيهم ...
وحسب المخالفين له في المسألة، وبيان رأيهم له، والاستدلال بالأدلة الصحيحة على رأيهم، ومناقشة أدلته، وتخطئة رأيه بأسلوب علمي، وأدب إسلامي، وذلك نصيحةً له وتوضيحًا، عسى أن ينظر في آرائهم وأدلتهم فيراجع رأيه، ويتغير اجتهاده، وإعذارًا إلى الله عز وجل في بيان الخطأ من الصواب، وقيامًا بالأمانة العلمية الملقاة على عاتق العلماء ...
وليحذر المخالفون في هذا المقام كل الحذر، من أن يلبس عليهم الشيطان الأمر، فتتداخل