فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 97

الأمور الشخصية، والحظوظ النفسية، بالواجبات الشرعية، والأمانات العلمية، فتتحول النصيحة إلى فضيحة، وينقلب النقاش العلمي إلى جدل ومراء ... ويجرهم ذلك إلى الوقوع في الشر والسوء، من حيث يظنون أنهم يحسنون صنعًا!

وما أسرع ما يستغل هذه المواطن شياطين الإنس والجن، فيزينون الباطل، ويشجعون عليه، رافعين لذلك راية الانتصار للحق وأهله، فيوسعون الخرق ويشوشون الخلق!!

وكثيرًا ما يفهم بعض طلبة العلم (( الإعذار للمخالف ) )خطأً، فيتصورونه القبول بالخطأ، أو السكوت عنه، وما هو بذلك!!

فإنه لا تلازم بين الإعذار، والسكوت عن خطأ المخالف، وقبول رأيه، وإنما التلازم بين الإعذار، وعدم الإنكار حصرًا، كما سيأتي في الجانب الثالث.

فلكم تحاور علماء الأمة قديمًا وحديثًا في المسائل العلمية، وتناظروا وتناقشوا في كثير منه!! ومنهم من رجع عن رأيه إلى رأي غيره، ومنهم من بقي مقتنعًا بقوله، على الرغم من محاجة الآخرين له، ولم يعكر ذلك من قلوب بعضهم على بعض، ولم يفسد للود قضية، حيث قاموا جميعًا بما يجب عليهم، وتعاونوا على توضيح الحق والصواب متحابين متعاونين، يعذر بعضهم بعضًا، ويحترم بعضهم رأي بعض -إلا من شذ منهم- كما تنطق بذلك سيرتهم، ومصنفات العلماء من بعدهم.

أما الجانب الثالث من جوانب أدب الخلاف العلمي، وهو: (( عدم الإنكار في المسائل الاجتهادية ) ):

فقد سبق الحديث عنه في الفصل الثاني من الباب الثاني، على وجهٍ لا يحسن معه التكرار، وأكتفي هنا برد شبهة ترد على أذهان بعض طلبة العلم كثيرًا، فيقولون: كيف نوفق بين هذا الأصل في عدم الإنكار على المخالف، وبين أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، علمًا بأن المسائل الاجتهادية المختلف فيها كثيرة لا حصر لها، فهل يجوز سكوت المسلم عن أمرٍ يراه في اجتهاده منكرًا بحجة أنه اختلف فيه!؟

فقد ظن أمثال هؤلاء: أن من لوازم عدم الإنكار، السكوت وعدم دعوة المخالف في الاجتهاد إلى ما يراه الطرف الآخر صوابًا! مع وضوح الفرق الكبير بين الإنكار على المخالف، وبين دعوته إلى القول الآخر، أو إلى الخروج عن الخلاف! إذ يختلف أسلوب الدعوة عن أسلوب الإنكار اختلافًا كبيرًا، ولهذا صرح الإمام النووي فيما نقلناه عنه في الفصل الثاني من الباب: بأنه إن ندبه على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف، فهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت