فإنه لكل مخالف في رأي من الآراء، في القضايا النظرية، أو الفرعية، أو الخاصة، أن يذكر رأيه، ويحاور فيه ويناقش، ويدلل عليه، ويفند الشبه حوله، ويخطئ قول مخالفه دون إنكار عليه.
ويحسن به: أن يتنازل عن رأيه لرأي الأكثرية، إذا لم يستطع إقناعهم برأيه، فيتهم رأيه لرأيهم.
كما يجب عليه أن يقبل تحكيم أهل الاختصاص -إن لم يكن منهم- إذا دعي لذلك، وينزل في النتيجة على حكمهم.
فإذا تحقق في المخالف هذه الصفات، لا يعد معجبًا برأيه، ولا يدخل في عداد المذمومين، ويكون لسان حاله يقول: رأيي صواب، ويحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ، ويحتمل الصواب.
أما إذا لم يستطع التنازل فيه عن رأيه لرأي الأكثرية عند الحاجة، أو صدر عنه إنكار على مخالفه بوجهٍ من أوجه الإنكار، أو رفض الرجوع في خلافه إلى تحكيم أهل الاختصاص، أو رفض نتيجة التحكيم ... فيعد من المعجبين برأيهم، ويدخل في عداد المذمومين، ويكون لسان حاله يقول: رأي صواب ولا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ ولا يحتمل الصواب ...
هذا في المسائل النظرية، أو الفرعية، أو الخاصة، أما في المسائل العلمية، والقضايا الكبرى، والأمور العامة:
فلا بد أن يتنازل فيها المخالف بعد الحوار والمناقشة، عن رأيه لرأي المخالفين له، إذا كانوا أكثرية من أهل الاختصاص، ولا يصح له أن يتمسك بقناعة كحاله في المسائل السابقة، ولا ضير أن تبقى قناعته الشخصية بينه وبين نفسه نظريًا. وإن لم يفعل ذلك، يكون قد بلغ الإعجاب منه مبلغه، وأصاب منه مقتلًا.
ويمكننا تلخيص مواطن وجوب التنازل عن الرأي لرأي الآخرين في المواطن التالية:
1 -عند ظهور بطلان رأيه له، أو ضعف دليله عليه.
2 -عندما يترتب على خلافه في قضية عامة أثر سلبي عام.
وذلك لعدم جواز التمسك بالباطل، ووجوب الرجوع إلى الحق والأخذ به من جهة، ودفعًا للمفسدة العامة الراجحة، المترتبة على مخالفته في قضية عامة، وتقديم هذه المفسدة، على تحقيق مصلحة العمل باجتهاده الخاص فيها من جهة أخرى.