وهذا داء أعي الأطباء دواؤه، وعز عليهم شفاؤه، وهو لعمر الله الداء العضال والسم القتال، الذي ما علق بقلب؛ إلا وعزَّ على الورى استنقاذه من إسارِه، ولا اشتعلت ناره في مهجة؛ إلا وصعب على الخلق تخليصها من ناره.
وهو أقسام:
تارة يكون كفرا، كمن اتخذ معشوقه ندا، يحبه كما يحب الله؛ فكيف إذا كانت محبته أعظم من محبة الله في قلبه؟ فهذا عشق لا يغفر لصاحبه؛ فإنه من أعظم الشرك، والله لا يغفر أن يشرك به، وإنما يغفر بالتوبة الماحية ما دون ذلك.
وعلامة هذا العشق الشركي الكفري: أن يقدم العاشق رضى معشوقه على رضى ربه، وإذا تعارض عنده حق معشوقه و حظه وحق ربه وطاعته؛ قدم حق معشوقه على حق ربه وآثر رضاه على رضاه، وبذل لمعشوقه أنفس ما يقدر عليه، وبذل لربه ـ إن بذل ـ أردأ ما عنده، واستفرغ وسعه في مرضاة معشوقه وطاعته والتقرب إليه، وجعل لربه ـ إن أطاعه ـ الفضلة التي تفضل عن معشوقه من ساعاته.
فتأمل حال أكثر عشاق الصور؛ هل تجدها إلا مطابقة لذلك؟! ثم ضع حالهم في كفة، وتوحيدهم وإيمانهم في كفة، ثم زن وزنا يرضى الله به ورسوله ويطابق العدل! وربما صرح العاشق منهم بأن وصل معشوقه أحب إليه من توحيد ربه كما قال الفاسق الخبيث [1] :
يَتَرشفْنَ مِنْ فَمي رَشَفاتٍ ... هُنَّ أحْلى فيه مِنَ التَّوحيدِ
وكما صرح الخبيث الآخر بأن وصل معشوقه أشهى إليه من رحمة ربه ـ فعياذا بك اللهم من هذا الخذلان ـ ومن هذا الحال قال الشاعر:
وصلُكَ أشهى إلى فؤادي ... منْ رحمةِ الخالقِ الجليلِ
ولا ريب أن هذا العشق من أعظم الشرك.
وكثير من العشاق يصرح بأنه لم يبق في قلبه موضع لغير معشوقه البتة، بل قد ملك معشوقه عليه قلبه كله، فصار عبدًا مخلصا من كل وجه لمعشوقه!
(1) هو أبو الطيب المتنبي!! والبيت في ديوانه (2/ 40) .