ومن يتَّكلُ على القدر ـ جهلًا منه وعجزًا وتفريطًا وإضاعةً ـ فيكون توكله عجزا، وعجزه توكلا.
بل الفقيه ـ كل الفقيه ـ الذي يردُّ القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر، بل لا يمكنُ الإنسانَ أن يعيشَ إلا بذلك؛ فإن الجوع والعطش والبرد وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر، والخلق كلهم ساعون في دفع هذا القدر بالقدر.
وهكذا؛ مَنْ وفَّقه الله وألهمه رُشْده يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة؛ فهذا وِزانُ القدرِ المخوف في الدنيا وما يضاده سواء؛ فربُّ الدارين واحد، وحكمتُه واحدة، لا يناقض بعضُها بعضا، ولا يبطل بعضها بعضا. فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها. والله المستعان.
لكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادتُه وفلاحه:
أحدهما: أن يعرف تفاصيل أسبابِ الشر والخير، وتكون له بصيرةٌ في ذلك؛ بما يشاهده في العالم، وما جربه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديما وحديثا.
ومن أنفع ما في ذلك:
تدبر القرآن: فإنه كفيل بذلك على أكمل الوجوه، وفيه أسباب الخير والشر جميعا مفصلة مبينة.
ثم السنة: فإنها شقيقة القرآن، وهي الوحي الثاني.
ومن صرف إليهما عنايته؛ اكتفى بهما من غيرهما، وهما يريانك الخير والشر وأسبابهما حتى كأنك تعاين ذلك عيانا.
وبعد ذلك؛ إذا تأملت أخبار الأمم وأيام الله في أهل طاعته وأهل معصيته؛ طابق ذلك ما علمته من القرآن والسنة، ورأيته بتفاصيل ما أخبر الله به ووعد به، وعلمت من آياته في الآفاق ما يدلك على أن القرآن حق، وأن الرسول حق، وأن الله ينجز وعده لا محالة؛ فالتاريخ تفصيل لجزئيات ما عرَّفنا اللهُ ورسوله من الأسباب الكلية للخير والشر.
فصل
الأمر الثاني: أن يحذر مغالطة نفسه على هذه الأسباب.