قيل: الأمر هكذا، والله فوق ذلك وأجل وأكرم وأجود وأرحم، ولكن إنما يضع ذلك في محله اللائق به؛ فإنه سبحانه موصوف بالحكمة والعزة والانتقام وشدة البطش وعقوبة من يستحق العقوبة؛ فلو كان معوّلُ حسن الظن على مجرد صفاته وأسمائه؛ لاشترك في ذلك البر والفاجر، والمؤمن والكافر، ووليه وعدوه، فما ينفع المجرم أسماؤه وصفاته؛ وقد باء بسخطه وغضبه، وتعرض للعنته، ووقع في محارمه، وانتهك حرماته؟! بل حسن الظن ينفع من تاب، وندم، وأقلع، وبدل السيئة بالحسنة، واستقبل بقية عمره بالخير والطاعة، ثم أحسن الظن؛ فهذا هو حسن ظن، والأول غرور. والله المستعان.
ولا تستطل هذا الفصل؛ فإن الحاجة إليه شديدة لكل أحد يفرق بين حسن الظن بالله وبين الغرور به.
قال الله تعالى: {إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله} [البقرة:218] فجعل هؤلاء أهل الرجاء، لا الظالمين ولا الفاسقين، وقال تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم} [النحل:110] فأخبر سبحانه أنه بعد هذه الأشياء غفور رحيم لمن فعلها.
فالعالم يضع الرجاء مواضعه، والجاهل المغتر يضعه في غير مواضعه.
فصل
[شدة عقابه جل شأنه لمن اجترأ عليه بالمعاصي]
وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، وضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين.
ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند.
قال معروف: رجاؤك لرحمة من لا تطيعه من الخذلان والحمق.
وقال بعض العلماء: من قطع عضوا منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم؛ لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا.
وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد! كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تنقطع؟ فقال: والله؛ لأن تصحب أقواما يخوفونك حتى تدرك أمنا، خير لك من أن تصحب أقواما يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف.