فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدا، قال الشافعي رضى الله عنه: صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين: أحدهما قولهم: الوقت سيف؛ فإن لم تقطعه قطعك، وذكر الكلمة الأخرى: ونفسك إن أشغلتها بالحق وإلا؛ شغلتك بالباطل.
فوقت الإنسان هو عمره في الحقيقة وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة المعيشة الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر أسرع من مر السحاب.
فما كان من وقته لله وبالله؛ فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوبا من حياته وإن عاش فيه؛ عاش عيش البهائم.
فإذا قطع وقته في الغفلة والشهوة والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه بالنوم والبطالة؛ فموت هذا خيرا له من حياته.
وإذا كان العبد ـ وهو في الصلاة ـ ليس له من صلاته إلا ما عقل منها؛ فليس له من عمره إلا ما كان فيه بالله وله.
وما عدا هذه الأقسام من الخطرات والفكر؛ فإما وساوس شيطانية، و إما أماني باطلة وخدع كاذبة، بمنزلة خواطر المصابين في عقولهم من السكارى والمحشوشين والموسوسين، ولسان حال هؤلاء يقول عند انكشاف الحقائق:
إنْ كانَ مَنْزِلَتي في الحشرِ عِنْدكُمُ ... ما قدْ لقيتُ فقدْ ضَيَّعتُ أيَّامي
أمْنِيّةٌ ظَِفرتْ نفْسي بها زَمنًا ... واليومَ أحسبُها أضْغاثَ أحْلام
واعلم أن ورود الخاطر لا يضر، وإنما يضر استدعاؤه ومحادثته.
فالخاطر كالمار على الطريق؛ فإن لم تستدعه وتركته؛ مر وانصرف عنك، وإن استدعيته سحرك بحديثه وخدعه وغروره. وهو أخف شيء على النفس الفارغة بالباطلة، وأثقل شيء على القلب والنفس الشريفة السماوية المطمئنة.
فصل
[بين سلطان الشهوة وسلطان العقل والإيمان]
إن العبد لا يترك ما يحب ويهواه إلا لما يحبه ويهواه، ولكن يترك أضعفهما محبة لأقواهما محبة، كما أنه يفعل ما يكرهه لحصول ما محبته أقوى عنده من كراهة ما يفعله، أو لخلاص من مكروه كراهته عنده أقوى من كراهة ما يفعله.