وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير؛ أروه امرأة جميلة وأمروها أن تطمعه في نفسها، حتى إذا تمكن حبها من قلبه؛ بذلت له نفسها إن دخل في دينها؛ فهنالك {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم:27] .
وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق لصاحبه لمعاونته له على الفاحشة وظلمه لنفسه ما فيه، وكل منهما ظالم لنفسه وصاحبه، وظلمهما متعد إلى الغير.
وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك.
فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها.
والمعشوق إذا لم يتق الله؛ فإنه يعرض العاشق للتلف، وذلك ظلم منه؛ أن يطمعه في نفسه ويتزين له ويستميله بكل طريق حتى يستخرج منه ماله ونفعه ولا يمكنه من نفسه، لئلا يزول غرضه بقضاء وطره منه؛ فهذا يسومه سوء العذاب، والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه منه، ولا سيما إذا جاد بالوصال لغيره.
وكم للعشق من قتيل من الجانبين!! وكم قد زال من نعمة!! وأفقر من غني!! وأسقط من مرتبة!! وشتت من شمل!! وكم أفسد من أهل الرجل وولده، فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقا لغيرها اتخذت هي معشوقا لنفسها فيصير الرجل مترددًا بين خراب بيته بالطلاق وبين القِيادة [1] ، فمن الناس من يؤثر هذا، ومنهم من يؤثر هذا.
فعلى العاقل أن يحكم على نفسه سد عشق الصور لئلا يؤذيه ويؤديه ذلك إلى الهلاك وإلى هذه المفاسد وأكثرها أو بعضها؛ فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه والمغرر بها، فإذا هلكت فهو الذي أهلكها؛ فلولا تكراره النظر إلى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه:
فإن أول أسباب العشق الاستحسان سواء تولد عن نظر أو سماع.
فإن لم يقارنه طمع في الوصال وقارنه الإياس من ذلك؛ لم يحدث له العشق.
فإن اقترن به الطمع:
فصرفه عن فكره ولم يشغل قلبه به لم يحدث له ذلك.
(1) أي: يكون ديوثا يقر الخبث في أهله ولا حول ولا قوة إلا بالله.