فهو أحق من ذكر، وأحق من شُكِر، وأحق من حمد، وأحق من عبد، وأنصر من ابتُغي، وأرأف من ملك، وأجود من سُئل، وأوسع من أعطى، وأرحم من اسُترحم، وأكرم من قُصد، وأعز من التُجيء إليه، وأكفى من توكل عليه، أرحم بعبده من الوالدة بولدها [1] ، وأشد فرحا بتوبة التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا يئس من الحياة ثم وجدها [2] .
وهو الملك فلا شريك له، والفرد فلا ند له، كل شيء هالك إلا وجهه، لن يطاع إلا بإذنه، ولن يعصي إلا بعلمه، يطاع فيشكر، وبتوفيقه ونعمته أُطيع، ويعصي فيغفر، ويعفو وحقه أُضيع.
فهو أقرب شهيد، وأجلُّ حفيظ، وأوفى بالعهد، وأعدل قائم بالقسط، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار، ونسخ الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، والغيب لديه مكشوف، وكل أحد إليه ملهوف، وعنت الوجوه لنور وجهه، وعجزت العقول عن إدراك كنهه [3] ،ودلت الفطر والأدلة كلُّها على امتناع مثله وشبهه، أشرقت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له الأرض والسموات، وصلحت عليه جميع المخلوقات.
لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يُرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور، لو كشفه؛ لأحرقت سبحات [4] وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه [5] :
ما اعْتاضَ باذِلُ حُبِّهِ لسِواهُ مِنْ ... عِوضٍ ولو مَلَكَ الوجودَ بأسْرِه.
فصل
[نعيم القلب والروح تبع لكمال المحبوب وكمال المحبة]
(1) أخرجه: البخاري (5999) ومسلم (2754) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
(2) أخرجه: البخاري (6308) ومسلم (2744) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
(3) أي: إدراك كيفية صفاته سبحانه وتعالى.
(4) سُبُحات وجهه: أنواره.
(5) كما جاء في حديث عند مسلم (179) من حديث أبي موسى رضي الله عنه.