وبقي قسم خامس ليس مما نحن فيه وهى المحبة الطبيعية: وهي ميل الإنسان إلى ما يلائم طبعه؛ كمحبة العطشان للماء، والجائع للطعام، ومحبة النوم والزوجة والولد؛ فتلك لا تذم إلا إذا ألهتْ عن ذكر الله وشغلت عن محبته، كما قال تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله} [المنافقون:9] وقال تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله} [النور:37] .
واعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلة القلوب على محبته وفطرت الخليقة على تأليهه، وبها قامت الأرض والسموات، وعليها فطر المخلوقات، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل له والخضوع والتعبد، والعبادة لا تصح إلا له وحده، والعبادة هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل، والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله، والله سبحانه يُحب لذاته من سائر الوجوه، وما سواه فإنما يحب تبعا لمحبته.
وقد دل على وجوب محبته سبحانه: جميع كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله أجمعين، وفطرته التي فطر عليها عباده، وما ركب فيها من العقول، وما أسبغ عليهم من النعم، فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها؛ فكيف بمن كل الإحسان منه، وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه وحده لا شريك له كما قال تعالى: {وما بكم من نعمة فمن الله ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون} [النحل:53] وما تعرَّف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلا، وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله ونهاية جلاله وعظمته.
والمحبة لها داعيان: الجلال، والجمال.