وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه:"اقرأ علي"فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال:"إني أحب أن أسمعه من غيري"فاستفتح فقرأ سورة النساء حتى إذا بلغ قوله: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء:41] قال:"حسبك الآن"فرفع رأسه فإذا عينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تذرفان من البكاء [1] .
وكان الصحابة إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى؛ يقولون: يا أبا موسى! اقرأ علينا فيقرأ، وهم يستمعون [2] .
فلِمُحبي القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لِمُحِبي السماع الشيطاني.
فإذا رأيت الرجل؛ ذوقه وشدة وجده وطربه وشوقه إلى سماع الأبيات دون سماع الآيات، و سماع الألحان دون سماع القرآن؛ كما قيل: تقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر، وبيت من الشعر يُنْشَدُ فتميل كالنشوان! فهذه من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه، وتعلقه بمحبة سماع الشيطان، والمغرور يعتقد أنه على شيء!!
ففي محبة الله وكلامه ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أضعاف أضعاف ما ذُكِرَ من فوائد العشق ومنافعه، بل لا حب على الحقيقة أنفع منه، وكل حب سوى ذلك باطل، إن لم يُعنْ عليه ويسوق المحب إليه.
فصل
[لا تثريب في حب النساء إن كان بالوجه الشرعي]
وأما محبة الزوجات: فلا لوم على المحب فيها، بل هي من كماله.
وقد امتنَّ الله سبحانه بها على عباده فقال: {ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} الآية [الروم:21] ؛ فجعل المرأة سكنا للرجل؛ يسكن إليها قلبه وجعل بينهما خالص الحب، وهو المودة المقرونة بالرحمة.
(1) أخرجه: البخاري (4582) ومسلم (800) .
(2) أخرجه: أبو نعيم في الحلية (1/ 258) .