فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 89

فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق، وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من لذة وصاله: إما خوف ديني؛ كخوف النار وغضب الجبار واجتناب الأوزار، وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع والفكر؛ لم يحدث له ذلك العشق.

فإن فاته هذا الخوف وقارنه خوف دنيوي؛ كخوف إتلاف نفسه أو ماله وذهاب جاهه وسقوط مرتبته عند الناس وسقوطه من عين من يعز عليه وغلب هذا الخوف لداعي العشق؛ دفعه، وكذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق وقدم محبته على محبة المعشوق؛ اندفع عنه العشق.

فإذا انتفى ذلك كله، و غلبت محبة المعشوق لذلك؛ انجذب إليه القلب بكليته، ومالت إليه النفس كل الميل.

فإن قيل: قد ذكرتم آفات العشق ومضاره ومفاسده، فهلا ذكرتم منافعه وفوائده؟

فالجواب وبالله التوفيق:

إن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز بين الحرام والجائز والنافع والضار، ولا يستعجل عليه بالذم والإنكار ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة، وإنما يتبين حكمه وينكشف أمره بذكر متعلقه، وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم.

ونحن نذكر النافع من الحب، والضار، والجائز، والحرام:

هاهنا أربعة أنواعٍ من المحبة يجب التفريق بينها، وإنما ضلّ من ضلّ بعدم التمييز بينها:

أحدهما: محبة الله؛ ولا تكفي وحدها في النجاة من الله من عذابه والفوز بثوابه؛ فإن المشركين وعبَّاد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.

الثاني: محبة ما يحب الله؛ وهذه هي التي تدخله في الإسلام وتخرجه من الكفر، وأحب الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة وأشدهم فيها.

الثالث: الحب لله وفيه؛ وهي من لوازم محبة ما يحب الله، ولا يستقيم محبّة ما يحب الله إلا بالحب فيه وله.

الرابع: المحبة مع الله؛ وهي المحبة الشركية، وكل من أحبّ شيئًا مع الله، لا لله، ولا من أجله، ولا فيه، فقد اتخذه ندًا من دون الله، وهذه محبة المشركين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت