وقد جرت سنة الله سبحانه في خلقه أنه عند ظهور الزنى يغضب الله سبحانه وتعالى ويشتد غضبه، فلابد أن يُؤَثِّرَ غضبُه في الأرض عقوبة، قال عبد الله بن مسعود: ما ظهر الربا والزنى في قرية إلا أذن الله بإهلاكها [1] .
فصل
[التشديد والتشنيع في حد الزنى وأسبابه]
وخص سبحانه حد الزنا من بين سائر الحدود بثلاث خصائص:
أحدها: القتل فيه بأشنع القتلات، وحيث خففه؛ فجمع فيه بين العقوبة على البدن بالجلد وعلى القلب بتغريبه عن وطنه سنة.
الثاني: أنه نهى عباده أن تأخذهم بالزناة رأفة في دينه؛ بحيث تمنعهم من إقامة الحد عليهم؛ فإنه سبحانه من رأفته بهم ورحمته بهم شرع هذه العقوبة؛ فهو أرحم منكم بهم، ولم تمنعه رحمته من أمره بهذه العقوبة؛ فلا يمنعكم أنتم ما يقوم بقلوبكم من الرأفة من إقامة أمره.
وهذا؛ وإن كان عاما في سائر الحدود، ولكنْ ذُكِرَ في حد الزنى خاصة لشدة الحاجة إلى ذكره؛ فإن الناس لا يجدون في قلوبهم من الغلطة والقسوة على الزاني ما يجدونه على السارق والقاذف وشارب الخمر، فقلوبهم ترحم الزاني أكثر مما ترحم غيره من أرباب الجرائم، والواقع شاهد بذلك، فنهوا أن تأخذهم هذه الرأفة وتحملهم على تعطيل حد الله عز وجل.
وسبب هذه الرحمة: أن هذا ذنبٌ يقع من الإشراف والأوساط والأراذل، وفي النفوس أقوى الدواعي إليه، والمشارك فيه كثير، وأكثر أسبابه العشق، والقلوب مجبولة على رحمة العاشق، وكثير من الناس يعد مساعدته طاعة وقربة، وإن كانت الصورة المعشوقة محرمة عليه.
ولا يُسْتَنكَرُ هذا الأمر؛ فهو مستقر عند من شاء الله من أشباه الأنعام.
ولقد حُكِيَ لنا من ذلك شيء كثير عن ناقصي العقول؛ كالخدام والنساء.
(1) أخرجه: أبو يعلى في المسند (4981) قال الهيثمي في المجمع (4/ 121) والمنذري في الترغيب (2/ 621) روه أبو يعلى، وإسناده جيد"والحديث بمجموع طرقه لا ينزل عن رتبة الحسن، وقد حسنه الألباني في غاية المرام ص 203 رقم 344."