ومن عقوبات الذنوب: أنها تزيل النعم وتُحِلُّ النقم، فما زالت عن العبد نعمة إلا بسبب ذنب، ولا حلت به نقمة إلا بذنب، كما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة.
وقد قال تعالى: {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير} [الشورى:30] ، وقال تعالى: {ذلك بأن الله لم يك مغيرًا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} [الرعد:11] وقد أحسن القائل:
إذا كُنتَ في نعمةٍ فارْعَها ... فإنَّ المعاصي تُزيلُ النِّعمْ
وحُطْها بطاعةِ رَبِّ العبادِ ... فرَبُّ العبادِ سريعُ النِّقمْ
ومن عقوباتها: ما يلقيه الله سبحانه من الرعب والخوف في قلب العاصي؛ فلا تراه إلا خائفا مرعوبا.
فإن الطاعة حِصْن الله الأعظم، الذي من دخله؛ كان من الآمنين من عقوبة الدنيا والآخرة، ومن خرج عنه؛ أحاطتْ به المخاوفُ من كل جانب؛ فمن أطاع الله انقلبت المخاوف في حقه أمانا، ومن عصاه؛ انقلبت مآمنه مخاوف.
فلا تجد العاصي إلا وقلبه كأنه بين جناحي طائر: إنْ حَرَّكَتِ الريحُ الباب؛ قال: جاء الطلب! وإن سمع وقع قدم؛ خاف أن يكون نذيرًا بالعطب، يحسب أنّ كل صيحةٍ عليه، وكل مكروه قاصدًا إليه.
فمن خاف الله؛ آمنه من كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه من كل شيء.
ومن عقوباتها: أنها توقع الوحشة العظيمة في القلب، فيجد المذنب نفسه مستوحشا؛ قد وقعت الوحشة بينه وبين ربه، وبين الخلق وبين نفسه، وكلما كثرت الذنوب اشتدت الوحشة.
وأمرُّ العيش عيش المستوحشين الخائفين، وأطيب العيش عيش المستأنسين.
فلو نظر العاقل ووازن بين لذة المعصية وما توقعه من الخوف والوحشة، لعلم سوء حاله، وعظيم غبنه، إذ باع أنس الطاعة وأمنها وحلاوتها بوحشة المعصية وما توجبه من الخوف والضرر الداعي له كما قيل:
فإنْ كُنتَ قدْ أوحشتْكَ الذُّنوبُ ... فدَعْها إذا شِئْتَ واستانِس
فصل
[العقوبات الشرعية موعظة لمن لم يتعظ بالقدرية]