قال: ويروى أنه كان بمصر رجلٌ يلزم مسجدًا للأذان والصلاة، وعليه بهاء الطاعة ونور العبادة فَرَقِيَ يومًا المنارة على عادته للأذان، وكان تحت المنارة دارٌ لنصران، ي فاطَّلع فيها، فرأى ابنة صاحب الدار، فافْتُتِنَ بها، فترك الأذان، ونزل إليها، ودخل الدار عليها، فقالت له: ما شأنك؟! وما تريد؟! قال: أريدك! قالت: لماذا؟ قال: قد سلبت لُبّي وأخذتِ بمجامع قلبي. قالت: لا أجيبك إلى ريبة أبدا. قال: أتزوجُك. قالت: أنت مسلم وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك، قال: اتنصر. قالت: إن فعلت أفعلُ، فتنصَّر الرجل ليتزوجها، وأقام معهم في الدار، فلما كان في أثناء ذلك اليوم؛ رَقِيَ إلى سطحٍ كان في الدار، فسقط منه، فمات، فلم يظفر بها، وفاته دينه.
فصل
[ترتيب الله تعالى الخير والشر على أسباب]
قد دل العقل والنقل والفطرة وتجارب الأمم ـ على اختلاف أجناسها ومللها ونحلها ـ على أن التقرب إلى رب العالمين، وطلب مرضاته، والبر والإحسان إلى خلقه؛ من أعظم الأسباب الجالبة لكل خير، وأضدادها من أكبر الأسباب الجالبة لكل شر؛ فما استُجْلِبت نِعَمُ الله واستُدْفِعت نقمه بمثل طاعته والتقرب إليه والإحسان إلى خلقه.
وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول الشرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال .. وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع: كقوله تعالى: {فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين} [الأعراف:166] .
وكقوله تعالى: {إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيآتكم ويغفر لكم} [الأنفال:29] .
وبالجملة: فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل ترتيب أحكام الدنيا والآخرة ومصالحهما ومفاسدهِما على الأسباب والأعمال.
ومن فَقِه هذه المسألة وتأملها حق التأمل؛ انتفع بها غاية النفع.