فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 89

وقد رفع إلى ابن عباس وهو بعرفة شاب قد انتحل حتى عاد جلدًا على عظم، فقال: ما شأن هذا؟ قالوا: به العشق، فجعل ابن عباس يتعوذ بالله من العشق عامة يومه.

الثامن: أن العشق و هو الإفراط في المحبة؛ بحيث يستولي المعشوق على قلب العاشق، حتى لا يخلو من تخيله وذكره والتفكر فيه، بحيث لا يغيب عن خاطره وذهنه، فعند ذلك تشتغل النفس بالخواطر النفسانية، فتتعطل تلك القوى، فيحدث بتعطيلها من الآفات على البدن والروح ما يعزُّ دواؤه ويتعذر، فتتغير أفعاله وصفاته ومقاصده، ويختل جميع ذلك، فتعجز البشر عن صلاحه كما قيل:

الحبُ أولَ ما يكونُ لجاجَةٌ ... يأتي بها وتسوقُه الأقدارُ

حتى إذا خاضَ الفتى لججَ الهوى ... جاءت أمورٌ لا تُطاقُ كِبارُ

والعشق مبادئه سهلة حلوة، وأوسطه هم وشغل قلب وسقم، وآخره عطب وقتل، إن لم تتداركه عناية من الله كما قيل:

وعشْ خاليًا فالحبُ أولُهُ عنى ... وأوسطُهُ سُقْمٌ وآخرهُ قتلُ

وقال آخر:

تَولعَ بالعشقِ حتى عشقْ ... فلمِّا استقلّ به لمْ يُطِق

رأى لُجةً ظنّها مَوْجةً ... فلما تمكنَ منها غرقْ

والذنب له، وهو الجاني على نفسه، وقد قعد تحت المثل السائر: يداك أوكتا وفوك نفخ [1] .

فصل

[مقامات العاشق، ومراحل العشق]

والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء، ومقام توسط، ومقام انتهاء.

فأما مقام ابتدائه: فالواجب عليه مدافعته بكل ما يقدر عليه إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذرا قدرًا وشرعا.

فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه وهذا مقام التوسط والانتهاء:

فعليه كتمانه ذلك، وأن لا يفشيه إلى الخلق، ولا يُشبِّب بمحبوبه ويهتكه بين الناس، فيجمع بين الشرك والظلم.

(1) الوكاء: رباط القربة ونحوها. وهذا مثل يضرب لمن يجنى على نفسه بفعله. انظر مجمع الأمثال (2/ 414) للميداني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت