فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم، وربما كان أعظم ضررًا على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله؛ فإنه يعرض المعشوق ـ بهتكه في عشقه ـ إلى وقوع الناس فيه وانقسامهم إلى مصدق ومكذب، وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة، وإذا قيل: فلان فعل بفلان أو بفلانه؛ كذَّبه واحد وصدقه تسع مائة وتسعة وتسعون.
وخبر العاشق المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقيني، بل إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه كذبًا وافتراءً على غيره؛ جزموا بصدقة جزما لا يحتمل النقيض، بل لو جمعهما مكان واحد اتفاقا؛ لجزموا أن ذلك عن وعد واتفاق بينهما، وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخيّل والشبهة والأوهام والأخبار الكاذبة؛ كجزمهم بالحسيات المشاهدة.
وبذلك وقع أهل الإفك في الطيبة المطيبة، حبيبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،المبرأة من فوق سبع سموات؛ بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر، حتى هلك من هلك، ولولا أن تولى الله سبحانه براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها لكان أمرًا آخر. [1]
والمقصود: أن في إظهار المبتلى عشق من لا يحل له الاتصال به من ظلمه وأذاه ما هو عدوان عليه وعلى أهله، وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه.
فإن استعان عليه بمن يستميله إليه إما برغبة أو رهبة؛ تعدى الظلم وانتشر، وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما.
(1) انظر: قصة الإفك في صحيح البخاري (2661) ومسلم (2770) .