فوالله؛ ما كان بين إهلاك أعداء الله ونجاة نبيه وأوليائه إلا ما بين السحر وطلوع الفجر، وإذا بديارهم قد اقتلعت من أصولها، ورفعت نحو السماء، حتى سمعت الملائكة نباح الكلاب ونهيق الحمير، فبرز المرسوم الذي لا يرد من الرب الجليل على يدي عبده ورسوله جبرائيل بأن يقلبها عليهم كما أخبر به في محكم التنزيل، فقال عزّ من قائل: {فلما جاء أمرنا جعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل} [هود:82] .
فجعلهم آية للعالمين، وموعظة للمتقين، ونكالًا وسلفًا لمن شاركهم في أعمالهم من المجرمين، وجعل ديارهم بطريق السالكين {إن في ذلك لآيات للمتوسمين. وإنها لبسبيل مقيم. إن في ذلك لآية للمؤمنين} [الحجر:75 - 77] .
أخذهم على غرة وهم نائمون، وجاءهم بأسُه وهم في سكرتهم يعمهون، فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون، تقلبوا على تلك اللذات طويلا، فأصبحوا بها يعذبون:
مآربُ كانتْ في الحياةِ لأهلِها ... عذبًا فصارتْ في المماتِ عَذابا
ذهبت اللذات وأعقبت الحسرات، وانقضت الشهوات وأورثه الشقوات، تمتعوا قليلا وعذبوا طويلا، رتعوا مرتعا وخيما فأعقبهم عذابا أليما، أسكرتهم خمرة تلك الشهوات فما استفاقوا منها إلا في ديار المعذبين، وأرقدتهم تلك الغفلة فما استيقظوا منها إلا وهم في منازل الهالكين، فندموا ـ والله ـ أشد الندامة حين لا ينفع الندم، وبكوا على ما أسلفوه بدل الدموع بالدم.
فلو رأيت الأعلى والأسفل من هذه الطائفة، والنار تخرج من منافذ وجوههم وأبدانهم وهم بين أطباق الجحيم، وهم يشربون بدل لذيذ الشراب كؤوس الحميم، ويقال لهم وهم على وجوههم يُسحبون: {ذوقوا ما كنتم تكسبون اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون} [الطور:16] .
ولقد قرب الله سبحانه مسافةَ العذاب بين هذه الأمة وبين إخوانهم في العمل، فقال مخوفًّا لهم بأعظم الوعيد {وما هي من الظالمين ببعيد} [هود:83] .