فهرس الكتاب

الصفحة 86 من 89

وانضم إلى ذلك: تقاضي الطبع، وغلبات الهوى، واستيلاء الشهوة، وتسويل النفس، وغرور الشيطان، واستبطاء الوعد، وطول الأمل، ورقدة الغفلة، وحب العاجلة، ورخص التأويل، وإلف العوائد، فهناك لا يمسك الإيمان إلا الذي يمسك السموات والأرض أن تزولا.

وبهذا السبب يتفاوت الناس في الإيمان والأعمال، حتى ينتهي إلى أدنى مثقال ذرة في القلب.

وجماع هذه الأسباب: يرجع إلى ضعف البصيرة والصبر.

ولهذا مدح الله سبحانه أهل الصبر واليقين، وجعلهم أئمة في الدين، فقال تعالى: {وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة:24] .

فصل

[بين أماني المفرطين ورجاء الصحابة والصالحين]

ومما ينبغي أن يعلم: أن من رجا شيئا؛ استلزم رجاؤه ثلاثة أمور:

أحدها: محبة ما يرجوه.

الثاني: خوفه من فواته.

الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان.

وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك؛ فهو من باب الأماني، والرجاء شيء، والأماني شيء آخر.

فكل راج خائف، والسائر على الطريق إذا خاف؛ أسرع السير مخافة الفوات. وفي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"من خاف أدلج، ومن أدلج [1] بلغ المنزل، إلا إن سلعة الله غالية، إلا إن سلعة الله الجنة" [2] .

وهو سبحانه كما جعل الرجاء لأهل الأعمال الصالحة، فكذلك جعل الخوف لأهل الأعمال الصالحة، فعلم أن الرجاء والخوف النافع هو ما اقترن به العمل.

قال الله تعالى {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون. والذين هم بآيات ربهم يؤمنون. والذين هم بربهم لا يشركون. والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون. أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون} [المؤمنون:57 - 61] .

(1) الإدلاج: السير في أول الليل، وهو كناية عن الاهتمام والسعي في الأمر بجد.

(2) أخرجه: الترمذي (2450) وصححه الألباني في السلسلة (5/ 442) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت