وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة رضى الله عنها قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الآية فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرفون؟ فقال:"لا يا ابنة الصديق! ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، ويخافون أن لا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات" [1] .
والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.
ومن تأمل أحوال الصحابة رضى الله عنهم؛ وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير ـ بل التفريط ـ والأمن!
فهذا الصديق رضي الله عنه يقول: وددت أني شعرة في جَنْب عبد مؤمن. ذكره أحمد عنه [2] .
وهذا عمر بن الخطاب قرأ سورة الطور إلى أن بلغ قوله {إن عذاب ربك لواقع} [الطور:7] فبكى، واشتد بكاؤه، حتى مرض وعادوه.
وقال لابنه وهو في سياق الموت: ويحك! ضع خدي على الأرض؛ عساه أن يرحمني. ثم قال: ويل أمي إن لم يغفر الله لي؛ ثلاثا ثم قضى. [3]
وهذا عثمان بن عفان رضي الله عنه كان إذا وقف على القبر؛ يبكى حتى تبل لحيته [4] .
وقال: لو أنني بين الجنة والنار، لا أدري إلى أيتهما يؤمر بي؛ لاخترت أن أكون رمادا قبل أن أعلم إلى أيتهما أصير [5] .
وهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه وبكاؤه وخوفه، وكان يشتد خوفه من اثنتين: طول الأمل، واتباع الهوى. قال: فأما طول الأمل فينسي الآخرة، وأما اتباع الهوى فيصد عن الحق، ألا وإن الدنيا قد ولت مدبرة، والآخرة قد أسرعت مقبلة، ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإن اليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل [6] .
(1) أخرجه: الترمذي (3175) وقد صححه الألباني لشواهده في السلسلة (1/ 304) .
(2) في الزهد ص 135.
(3) الزهد لأحمد ص 149 و 155.
(4) أخرجه: الترمذي (2308) .
(5) أخرجه: أحمد في الزهد ص 160.
(6) أخرجه: أحمد في الزهد ص 162 - 163.