فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 89

السادس: أنه إذا تمكن من القلب واستحكم وقوى سلطانه؛ أفسد الذهن، وأحدث الوساوس، وربما التحق صاحبه بالمجانين الذين فسدت عقولهم فلا ينتفعون بها.

وأخبار العشاق في ذلك موجودة في مواضعها، بل بعضها يشاهد بالعيان.

وأشرف ما في الإنسان عقله، وبه يتميز عن سائر الحيوانات، فإذا عدم عقله؛ التحق بالبهائم، بل ربما كان حال الحيوان أصلح من حاله.

وهل أذهب عقل مجنون ليلى وأضرابه إلا العشق؟!

وربما زاد جنونه على جنون غيره كما قيل:

قالوا جُنِنتَ بمن تَهوى فقلتُ لهم ... العشقُ أعظمُ مما بالمجانينِ

العشقُ لا يَسْتفيقُ الدهر صاحبُه ... وإنما يُصرعُ المجنونُ في الحين

السابع: أنه ربما أفسد الحواس أو أنقصها، إما فسادًا معنويًا أو صوريًا.

أما الفساد المعنوي: فهو تابع لفساد القلب، فإن القلب إذا فسد فسدت العين والأذن واللسان فيرى القبيح حسنا منه ومن معشوقه.

فهو يعمي عين القلب عن رؤية مساوي المحبوب وعيوبه؛ فلا ترى العين ذلك ويصم أذنه عن الإصغاء إلى العذل فيه؛ فلا تسمع الأذن ذلك.

والرغبات تستر العيوب؛ فإن الراغب في الشيء لا يرى عيوبه، حتى إذ زالت رغبته فيه؛ أبصر عيوبه، فشدت الرغبة غشاوة على العين تمنع من رؤية الشيء على ما هو عليه كما قيل:

هويتُكَ إذْ عَيْنى عليها غشاوةٌ ... فلمّا انجلتْ قطعتُ نفسي ألومُها

والداخل في الشيء لا يرى عيوبه، والخارج منه الذي لم يدخل فيه لا يرى عيوبه ولا يرى عيوبه، إلا من دخل فيه ثم خرج منه.

ولهذا كان الصحابة الذين دخلوا في الإسلام بعد الكفر خير من الذين ولدوا في الإسلام، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنما ينتقض عرى الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لا يعرف الجاهلية.

وأما فساده للحواس ظاهرًا: فإنه يمرض البدن وينهكه وربما أدى إلى تلفه؛ كما هو المعروف في أخبار من قتله العشق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت