فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 89

وهاهنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به، وهو أن كمال اللذة والسرور والفرح ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين:

أحدهما: كمال المحبوب في نفسه وجماله، وأنه أولى بإيثار المحبة من كل ما سواه.

والأمر الثاني: كمال محبته، واستفراغ الوسع في حُبه، وإيثار قربه والوصول إليه على كل شيء.

وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوته ومحبته، فكلما كانت المحبة أقوى؛ كانت لذة المحب أكمل، فلذة من اشتد ظمؤه بإدراك الماء الزلال ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهيّ ونظائر ذلك على حسب شوقه وشدة إرادته ومحبته.

وإذا عُرِف هذا؛ فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود كل حي وعاقل.

وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها؛ فهي تذم إذا أعقبت ألمًا أعظمَ منها، أو منعت لذةً خيرًا منها وأجلَّ؛ فكيف إذا أعقبتْ أعظم الحسرات، وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟! وتُحمدُ إذا أعانت على لذةٍ عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكدَ بوجه ما، وهي لذة الآخرة ونعيمُها، وطيب العيش فيها، قال تعالى: {بل تؤثرون الحياة الدنيا. والآخرة خير وأبقى} [الأعلى:16 - 17] . وقال السحرة لفرعون لما آمنوا: {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا. إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى} [طه: 72 ـ 73] .

والله سبحانه وتعالى خلق الخلق ليبتليهم وينيل من أطاعه هذه اللذة الدائمة في دار الخلد، وأما الدنيا فمنقطعة، ولذاتها لا تصفو أبدا ولا تدوم؛ بخلاف الآخرة فإن لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مع الخلود أبدا، ولا تعلم نفس ما أخفى الله لعباده فيها من قرة أعين، بل فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت