فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 89

والتحكيم في هذا الباب: للقاعدة الكبرى التي يكون عليها مدار الشرع والقدر وإليها يرجح الخلق والأمر، وهي: إيثار أكبر المصلحتين وأعلاهما وإن فاتت المصلحة التي هي دونها، والدخول في أدنى المفسدتين لدفع ما هو أكبر منها. فتفوّتُ مصلحةً لِيُحصِّل ما هو أكبر منها، ويرتكب مفسدة لدفع ما هو أعظم منها.

فخطرات العاقل وفكره لا يتجاوز ذلك، وبذلك جاءت الشرائع، ومصالح الدنيا والآخرة لا تقوم إلا على ذلك.

وأعلى الفِكَر وأجلها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة.

فما كان لله؛ فهو أنواع:

أحدها: الفكرة في آياته المنزلة، وتعقلها، وفهم مراده منها، ولذلك أنزلها الله تعالى، لا لمجرد تلاوتها بل التلاوة وسيلة. قال بعض السلف: أنزل القرآن ليعمل به فاتخذوا تلاوته عملا.

الثاني: الفكرة في آياته المشهودة، والاعتبار بها، والاستدلال بها على أسمائه وصفاته وحكمته وإحسانه وبره وجوده.

وقد حث الله سبحانه عباده على التفكر في آياته وتدبرها وتعقلها، وذم الغافل عن ذلك.

الثالث: الفكرة في آلائه، وإحسانه، وإنعامه على خلقه بأصناف النعم، وسعة مغفرته ورحمته وحلمه.

وهذه الأنواع الثلاثة تستخرج من القلب معرفة الله ومحبته وخوفه ورجاءه.

ودوام الفكرة في ذلك مع الذكر يَصبغ القلب في المعرفة والمحبة صبغة تامة.

الرابع: الفكرة في عيوب النفس وآفاتها وفى عيوب العمل.

وهذه الفكرة عظيمة النفع، وهي باب لكل خير، وتأثيرها في كسر النفس الأمارة بالسوء، ومتى كُسِرت؛ عاشت النفس المطمئنة وانتعشت وصار الحكم لها، فحيي القلب، ودارت كلمته في مملكته، وبث أمراءه وجنده في مصالحه.

الخامس: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهم كله عليه.

فالعارف ابن وقته فإن أضاعه؛ ضاعت عليه مصالحه كلها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت