وهذا من أهم الأمور فإن العبد يعرف أن المعصية والغفلة من الأسباب المضرة له في دنياه وآخرته ولابد، ولكن تغالطه نفسه بالاتكال على عفو الله ومغفرته تارة، وبالتسويف بالتوبة تارة، وبالاستغفار باللسان تارة، وبفعل المندوبات تارة، وبالعلم تارة، وبالاحتجاج بالقدر تارة، وبالاحتجاج بالأشباه والنظائر تارة، وبالاقتداء بالأكابر تارة أخرى.
وكثير من الناس يظن أنه لو فعل ما فعل، ثم قال: أستغفر الله؛ زال أثر الذنب وراح هذا بهذا!!
وهذا الضرب من الناس قد تعلق بنصوص من الرجاء، واتكل عليها، وتعلق بها بكلتا يديه، وإذا عوتب على الخطايا والانهماك فيها؛ سرد لك ما يحفظه من سعة رحمة الله ومغفرته ونصوص الرجاء.
وللجهال من هذا الضرب من الناس في هذا الباب غرائب وعجائب كقول بعضهم:
وكَثِّرْ ما اسْتَطَعْتَ مِنَ الخَطايا ... إذا كانَ القُدُومُ على كريمِ
فتأمل هذا الموضع، وتأمل شدة الحاجة إليه.
وكيف يجتمع في قلب العبد تيقنه بأنه ملاق الله، وأن الله يسمع كلامه، ويرى مكانه، ويعلم سره وعلانيته، ولا يخفى عليه خافية من أمره؛ وأنه موقوف بين يديه، ومسؤول عن كل ما عمل؛ وهو مقيم على مساخطه، مضيع لأوامره، معطل لحقوقه، وهو مع هذا يحسن الظن به!!
وهل هذا إلا من خدع النفوس، وغرور الأماني؟!!
وقد قال أَبِو أُمَامَةَ سَهْل بن حنيف: دَخَلْتُ أَنَا وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَلَى عَائِشَةَ رضي الله عنها، فَقَالَتْ: لَوْ رَأَيْتُمَا رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - ذَاتَ يَوْمٍ فِي مَرَضٍ له، وَكَانَت عِنْدِه سِتَّةُ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةٌ، فَأَمَرَنِي رسول اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنْ أُفَرِّقَهَا.