فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 63

فقالوا: صحاريْء، وصَلافيْء، وخَباريْء، ولو كانت الهمزة فيهن غير منقلبة لجاءت في الجمع؛ ألا تراهم قالوا: كوكب دُرِّيْء، وكواكب دَراريْء، وقُراء وقَراريْء، ووُضّاء ووَضاضيْء، فجاءوا بالهمزة في الجمع لما كانت غير منقلبة، بل موجودة في قَرأت، ودَرَات، ووَضُؤْت، فهذه دلالة قاطعة" [1] ."

وليست هذه الحجج بمقنعة لأمر أساسيّ هو أن قلب الألف غير مقبول صوتيًّا؛ إذ الهمزة صوت مختلف بخصائصه الصوتية عن حركة طويلة هي الألف والقول بقلب أحدهما عن الآخر وقوف عند وصف سطحيّ للظاهرة.

وتأخذ ابن جني النَّزعة الجدليّة التي اتّصفت بها المباحث العربية في وقته، فيتابع الجدل بسؤال آخر يجيب عنه إجابة يرى المتأمل أنها من قبيل الدور المنطقي؛ لأن إجابة السؤال هي ما كان بحاجة إلى الاحتجاج له، قال ابن جني:"فإن قيل: فما الذي دعاهم إلى قلبها في الجمع ياءً؟ وهلاّ تركوها في الجمع ملفوظًا بها كما كانت في الواحد، فقالوا: صَحاريْء، وصلافيْء؟ فالجواب: أنها إنما كانت انقلبت في الواحد همزة، وأصلها الألف، لاجتماع الألفين، وهذه صورتها: (صَحْراا) و (صَلْفَاا) و (خَبْرَاا) فلما التقت ألفان اضطروا إلى تحريك إحداهما، فجعلوها الثانية لأنها حرف الإعراب، فصارت صحراء وصَلْفاء، كما ترى" [2] .

ومثل ذلك ما جاء في قوله:"فإذا كان ذلك كذلك فقد علمت أن الهمزة في: صَنْعاء، وهَيْجاء، ودَهْناء، فيمن مدّ، هي الألف المفردة في صَنْعا، وهَيْجا، ودَهْنا، فيمن قصر، قُلبت همزة لوقوعها بعد الألف التي زيدت للمدّ" [3] .

القول باجتماع ألفين غير مقبول من ناحية صوتية لأن الألف حركة وليست صوتًا صامتًا يمكن أن يلتقي بغيره ساكنًا؛ ولذلك استحال أن تدغم الألف في نفسها أو في غيرها؛ لأن الإدغام من خصائص الأصوات الصامتة لا الحركات، وما نشهده من تحليل عند ابن جني هو قول نظري علته عَدُّ الألف حرفًا كغيره من الحروف.

والتفسير الصوتي المقبول عندي هو أن هذه الأسماء كانت تنتهي بهمزة للتأنيث فأصل صحراء: صحرأ، وحذفت الهمزة استثقالًا وعوض عنها بمطل الفتحة فصارت: صحرا؛ غير أن هذه الحركة الطويلة زيد في مدّها حتى صار المقطع بحاجة إلى أن يقفل، فأقفل بحبس الهواء، وهو ما يسمع همزة:

صحرأ • صحرا • صحراء

والذي يريد أن يذهب إليه ابن جني في أمر تغير الهمزة في جمع صحراء على (صحاريّ) لا (صحاريء) هو أن الشروط التي أنتجت الهمزة قد تغيرت وأن الجمع انطلق من البنية الباطنة للمفرد (صحراا) لا البنية الظاهرة التي فيها الهمزة (صحراء) ، وسوف نرجئ النص والتعليق عليه إلى موضع آخر.

(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 84 - 85.

(2) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 85.

(3) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 87.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت