فهرس الكتاب

الصفحة 16 من 63

وذكر ابن جني من قلب الألف همزة ما يقع في الألف وهي عين الكلمة، فمن ذلك ما جاء في قوله"وحكى اللحياني عنهم"بَازٌ"بالهمز، وهذا أيضًا من ذلك الباب" [1] . ويقصد بالباب قلب الألف همزة شذوذًا. وعلة الهمز هنا هي العلة السابقة.

ومن ذلك ما جاء في قوله:"ونحو هذا ما حكاه الفراء أيضًا عنهم من قولهم: رجل مَئِل إذا كان كثير المال، وأصلها (مَوِل) بوزن فَرِق وحَذِر، ويقال: مال الرجل يَمال: إذا كثر ماله، وأصلها:"مَوِلَ يَمْوَلُ، مثل خافَ يخاف من الواو، وقالوا: رجُل خافٌ، كقولهم: رجُل مالٌ، وأصلهما: خَوِفٌ ومَوِلٌ، ثم انقلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت خافٌ ومالٌ، ثم إنهم أتوا بالكسرة التي كانت في واو (مَوِل) ، فحركوا بها الألف في (مالٍ) ، فانقلبت همزة، فقالوا: مَئِلٌ" [2] ."

وابن جني كما نرى مشغوف بغرابة التصاريف. على أن الأمر في نظرنا لا يتعدى أن من قال (مئل) إنما قال ذلك لأنه انطلق من الأصل (مَوِل) ؛ ولكنه استثقل الواو بعدها الكسرة، فأتى بالهمزة في موضعها، والهمزة تخلف الواو في غير موضع، وقد تجنب حذف الواو والتعويض بالمطل لأنه أراد الحفاظ على البنية وإظهار حركة العين لأهميتها.

وهذا موضع من المواضع التي بولغ في تفسيرها مبالغة لا تخلو من الخيال، قال ابن جني:"فأما قول الراجز:"

مِنْ أيِّ يومَيَّ من الموت أَفِرّ

أَيَومَ لم يُقْدَرَ أمْ يَومَ قُدِرْ

فذهبوا فيه إلى أنه أراد النون الخفيفة، ثم حذفها ضرورة، فبقّى الراء مفتوحة، كأنه أراد (يُقْدَرَنْ) . وأنكر بعض أصحابنا هذا، وقال هذه النون لا تحذف إلا لسكون ما بعدها، ولا سكون ههنا بعدها" [3] ."

أما التفسير الذي يقدمه ابن جني فهو تفسير غريب، فهو يرى أن الراء الساكنة تحركت لمجاورتها الهمزة المتحركة، ثم ينتهي إلى أن الهمزة سهلت فصارت ألفًا، ثم قلبت الألف همزة. قال ابن جني:"والذي أراه أنا في هذا -وما علمت أحدًا من أصحابنا ولا غيرهم ذكره، ويُشبه أن يكونوا لم يذكروه للطفه- هو أن أصله (أيومَ لم يُقْدَرْ أم) بسكون الراء للجزم، ثم إنها جاورت الهمزة المفتوحة، والراء ساكنة، وقد أجرت العرب الحرف الساكن إذا جاور الحرفَ المتحرك مجرى المتحرك، وذلك قولهم فيما حكاه سيبويه: (والمَرَاة والكَمَاة) يريدون: المَرْأة، والكَمْأة، ولكن الميم والراء لمّا كانتا ساكنتين، والهمزتان بعدهما مفتوحتان، صارت الفتحتان اللتان في الهمزتين كأنهما في الراء والميم، وصارت الراء والميم كأنهما مفتوحتان، وصارت الهمزتان لمّا قُدّرت حركتاهما في غيرهما كأنهما ساكنتان،"

(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 90.

(2) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 91 - 92.

(3) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 75.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت