جهود علماء اللغة العربية القدماء عظيمة تنال إعجاب من يطلع عليها، بل إن بعض الباحثين يرونها لا تقل عن أحدث البحوث اللغوية العالمية. ولسنا نشك بقيمتها العلمية والتاريخية، ولكن الأمر الذي لا نشك فيه أيضًا أنها جهود إنسانية تستحق منا المراجعة والتطوير والوصول بها إلى آفاق أخرى، ولسنا نزعم أننا نمتلك ناصية الحقيقة؛ ولكنا نحاول ما حاولوا، ونرى أن من الوفاء لهم أن نقف على جهودهم ونأخذ منها ما نراه مفيدًا ونعدل عن الذي غيره خير منه.
يهدف هذا البحث إلى استعراض أنماط تغير أحرف العلة والهمزة لا لرصدها، إذ كفانا القدماء تلك المؤونة، بل لمراجعتها. وعلة المراجعة هو ما لوحظ من اختلاف في منطلقات الدرس بين علماء العربية القدماء والدارسين المحدثين. ويعود هذا الاختلاف إلى طبيعة التفكير؛ فالقدماء قد ينطلقون ابتداء من تقرير الظاهرة بوصفها وصفًا ظاهريًّا، ولكنهم لا يكتفون بهذا الوصف الظاهري التقريري بل يجعلونه قانونًا، وهم من جهة أخرى ربما ركنوا إلى النظر المنطقيّ. وكل ذلك أمر يؤدي إلى توقف الدارسين المحدثين. فلا الانطلاق من الوصف الظاهر ولا المعالجة المنطقية، يصلح لبيان كيفية التغير الصوتي؛ إذ التغير الصوتي مسألة متعلقة بطبيعة الأصوات وصفاتها الصوتية.
وسوف نكتفي في تتبع جهود القدماء بما ذكره ابن جني في كتابه سر صناعة الإعراب؛ ذلك أن هذا الكتاب يكاد يكون مشتملا على لب النظرية التصريفية العربية فهو معتمد على كتب أئمة التصريف منذ سيبويه، ويمتاز ابن جني بعقلية فذة استطاعت استيعاب جهود سيبويه والمازني صاحب كتاب التصريف فقد بلغ اهتمام ابن جني به إلى شرحه. وهو أيضا تتلمذ على علم من أعلام الصرف العربي هو أبو علي الفارسيّ وهو نحوي عبقري صاحب تصانيف كثيرة. كل هذه الجهود امتزجت في ذهن ابن جني، وظهرت على نحو رائع في كتابه الذي ذكر آنفًا، وهو كتاب زوى في نظري جهود ابن جني وسابقيه.
أبوأوس إبراهيم الشمسان