(هذا أمرٌ مَمْضُوٌّ عليه) أي (ممضيٌّ) . وقالوا: (هي المُضَواء) وأصلها (مُضَياء) . وقالوا: (هو أَمُور بالمعروف نَهُوٌّ عن المُنكر) وهي من (نَهَيْتُ) . وقالوا: (شربتُ مَشُوًّا) وهو من (مَشَيْتُ) لأنه الدواء الذي يُمْشَى عنه، وكأنهم إنما أبدلوا الياء واوًا في (نَهُوّ ومَشُوّ) ولم يقولوا (نَهِيّ ومَشِيّ) لأنهم أرادوا بناء (فَعُول) فكرهوا أن يلتبس بـ (فَعِيل) . و (الحيَوَان) أصله (الحيَيَان) فقلبت الياء التي هي لام واوًا استكراهًا لتوالي الياءين ليختلف الحرفان" [1] ."
أما الزعم بقلب الياء واوًا في جباوة فغير صحيح إذ الفعل قد ورد بالواو والياء جاء في الصحاح:"وجبيت الخراج جباية، وجبوته جباوة، ولا يهمز وأصله الهمز" [2] . فإن يكن الأصل الباطن الهمز فحذف فإن من السهل أن نعرف أن منهم من عوض بالياء ومنهم من عوض بالواو. أما جمع اليائيّ والواويّ في سياق واحد على نحو تداخل لهجيّ فهو أمر مفهوم في لغة تفاعلت فيها اللهجات وتداخلت.
أما (رجاء بن حيوة) فلعله مغير على نحو إبداليّ هربًا من دلالة (حيّة) على الثعبان، وإن يكن ذلك غير مقنع تمامًا؛ فهم قد يسمون بأسماء الهوام. ولكن لهم من التوسع والتصرف في الأعلام ما ليس لغيرها وهو أمر ذكره ابن جني قال:"وبهذا علمنا أن (حَيْوَة) أصلها (حَيّة) وأن اللام إنما قُلبت واوًا لضرب من التوسع وكراهة لتضعيف الياء، ولأن الكلمة أيضًا عَلَم، والأعلام قد يعرض فيها ما لا يوجد في غيرها نحو (مَوْهَبٍ ومَوْرَقٍ ومَوْظَب ومَعْدِي كَرِب وتَهْلَلٍ ومَزْيَد ومَكْوَزة) وغير ذلك مما يطول تعداده" [3] .
أما (مضوّ) و (مضواء) فقد استعمل بالياء والواو، جاء في الصحاح:"ومضيت على الأمر مضيًّا، ومضوت على الأمر مَضوًّا ومُضوًّا، مثل الوقود والصعود، وهذا أمر ممضوّ عليه" [4] .
أما (نهوّ ومشوّ) فقد وفّق ابن جني في ذكر الباعث على ظهورها على هذا النحو وهو إرادة البناء (فعول) وتجنب توهم البناء (فعيل) ، وزيادة على هذا يلاحظ أهمية المشاكلة السياقية في الأول: أمور/ نهوّ. وهذه المشاكلة لها تأثيرها على مستوى الأداء اللغوي صرفًا ونحوًا ومن أشهر مظاهره الإتباع الصوتي في قراءة (الحمد لله) بكسر الدال [5] ، وعلى مستوى النحو الجر على المجاورة مثل: (هذا جحرُ ضبٍ خربٍ) .
يورد ابن جني جملة من الأمثلة التي يرى أن من أسباب قلب الياء فيها إلى واو هو التفريق بين ما جاء على (فَعلى) من الأسماء والصفات، فتصير لام الأسماء واوًا وتبقى لام الصفات ياءً، قال:"ومما قُلبت ياؤه واوًا للتصرف وتعويض الواو من كثرة دخول الياء عليها، وللفرق أيضًا بين الاسم والصفة قولُهم: (الشَّرْوَى والفَتْوَى والبَقْوَى والرَّعْوَى والثَّنْوَى والتَّقْوَى) قال:"
(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 2: 589.
(2) الجوهري، الصحاح: جبا.
(3) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 2: 590 - 591.
(4) الجوهري، الصحاح: مضى.
(5) ابن جني، المحتسب، 1: 34.