الظاهرة بوصفها وصفًا ظاهريًّا، ولكنهم لا يكتفون بهذا الوصف الظاهري التقريري بل يجعلونه قانونًا، وهم من جهة أخرى ربما ركنوا إلى النظر المنطقي، وكل ذلك أمر يحمل الدارسين المحدثين على التوقف فيه. فلا الانطلاق من الوصف الظاهر ولا المعالجة المنطقية يصلحان لبيان كيفية التغير الصوتي؛ إذ التغير الصوتي مسألة متعلقة بطبيعة الأصوات وصفاتها الصوتية. ولعلنا نجد الخلاف بين القدماء والمحدثين في جانبين: جانب تأسيسيّ وآخر تفسيري؛ أما الأول فمتعلق بخلافهم حول علاقة الحركات بحروف المد، والطبيعة الصوتية لحرف المد (الألف) . وأما الخلافات التفسيرية فهي مرتبطة بهذه أيضًا فهناك خلافات في وصف الظاهرة التي وقع فيها التغير، وتفسير التغير؛ فالقدماء يرون أن الصوت قد يتبدل من شكل إلى شكل، فالواو قد تنقلب تاء والياء تنقلب واوًا أو ألفًا، وهذا متوقَّف فيه عند المحدثين؛ لأن لكل صوت صفاته الخاصة التي يختلف بها عن غيره من الأصوات، ولذلك لابد من التفكير بوسائل أخرى لتفسير التغير لا تصادم المسلمات الصوتية. ولم يعالج القدماء في درسهم الصرفي الكلمة مقطعيًّا؛ إذ لعلهم لم يتنبهوا إلى أهمية كون الكلمة مؤلفة من عدد من المقاطع. ويقع الخلاف بين القدماء والمحدثين في تفسير بعض التغيرات الصوتية، إذ يذهب القدماء إلى أنها من قبيل القلب، قلب صوت إلى صوت آخر، أو من قبيل الإبدال أي إبدال صوت بصوت. ولكن المحدثين يرونه من قبيل الحذف والتعويض. وله أنماط مختلفة، منها: التعويض بالمطل، والتعويض بالتضعيف، والتعويض بالهمز، والتعويض بإقحام صوت علة أو هاء. وأما التعارض فهو من العلل التفسيرية التي يذكرها القدماء عند تفسير بعض التغيرات الصوتية. وأوضح مثال لذلك تغير الواو إلى ياء في (الدنيا) ، وتغير الياء إلى واو في (تقوى) ، فهم يزعمون أن إحداهما غيرت عوض تغيير الأخرى، وهذا غير مقبول عند المحدثين. وانتهى البحث إلى أن التغير حسب ما ارتضيناه من اتجاهات المحدثين يدور في معظمه في الإمكانات التالية: حذف الصوت والتعويض عنه، إقحام الصوت للفصل بين الحركات، إقحام الصوت لإقفال المقطع. الانطلاق من الفرع لا الأصل. ولعل من الخير أن نشرع في مجال التعليم وفاقًا لهذه الاتجاهات الحديثة؛ لأنها أقرب إلى الإقناع؛ ولأنها قد تختصر لنا مطولًا وتضم متفرقًا.