فهرس الكتاب

الصفحة 15 من 63

وعلى نحو ما عالج ابن جني الممدود مثل (صحراء) عالج ما جرى مده من المقصور، وهو (العوّى) ، قال ابن جني:"ثم إنه قد حكي عنهم (العَوّاء) بالمد في هذا المنْزل. والقول عندي في ذلك: إنه زاد ألفًا قبل ألف التأنيث التي في"العَوّى"، فصار التقدير"العَوّاا"بألفين كما ترى ساكنتين، فقلبت الآخرة التي هي علم التأنيث همزة لمّا تحركت لالتقاء الساكنين. والقولُ فيها القولُ في حمراء وصحراء، وصَلْفاء، وخَبْراء" [1] .

وتفسير التغير هنا هو ما أسلفناه من أنّ الألف زيد في مطلها فاحتيج إلى إقفال المقطع، وهذا شأن كل مقصور يمد. وهذا متعلق بالنبر المقطعي فإن كان النبر على المقطع السابق بقي المقصور مقصورًا وقصر الممدود، وإن كان النبر على المقطع اللاحق مدّ المقصور. ومن المسموع في اللهجات النجدية اليوم كثرة قصر الممدود، يقولون: العُلما، الما، السما، الحمرا، الصفرا، الخضرا، البيضا، السودا. وتسمع هذا في الأعلام أيضا: وفا، أسما. ولكثرة قصرهم الممدود ربما توهموا أن المقصور إنما قصر عن مد فتراهم في الكتابة ربما رسموه بهمزة مثل رسمهم: هياء، مهاء [2] .

إذا أسند الفعل إلى ضمير رفع متحرك وكان منتهيا بألف منقلبة عن واو أو ياء عادت إن كانت ثالثة إلى أصلها وإلا جعلت ياءً؛ ولكن رويت بعض الروايات التي حولت فيها الألفات إلى همزة. قال ابن جني:"وحكى بعضهم: قوقأت الدَّجاجةُ، وحَلأتُ السويقَ، ورَثأت المرأةُ زوجَها، ولَبّأَ الرجلُ بالحج، وهذا كله شاذ غير مطرد في القياس. ونحوه قول ابن كَثْوة:"

وَلَّى نَعامُ بني صَفْوانَ زَوْزَأَةً ... لمّا رأى أسَدًا في الغاب قد وَثَبا

أراد (زَوْزاةً) غير مهموز ... وأنشد الفراء:

يا دارَ مَيٍّ بدَكادِيكِ البُرَقْ ... صَبْرًا فقد هَيَّجْتِ شَوْقَ المُشْتَئِقْ

فالقول فيه عندي: إنه اضطر إلى حركة الألف التي قبل القاف من (المُشْتاق) لأنها تقابل لام (مُسْتَفْعِلُنْ) ، فلما حركها انقلبت همزة كما قدمنا، إلا أنه حركها بالكسر لأنه أراد الكسرة التي كانت في الواو المنقلبة الألفُ عنها، وذلك أنه (مُفْتَعِل) من الشَّوْق، وأصله (مُشْتَوِق) ثم قُلبت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فلما احتاج إلى حركة الألف حرّكها بمثل الكسرة التي كانت في الواو التي هي أصل الألف" [3] ."

والاضطرار ظاهر في البيت؛ ولكن لم اختار الشاعر الهمزة دون الواو التي هي جذر الاسم؟ وعلة ذلك عندي توهمهم أن الأصل في الألف الهمزة، وهذا ما يعبر عنه على نحو آخر رمضان عبدالتواب فيصفه بالحذلقة أي المبالغة في التفاصح [4] .

(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 89.

(2) الشمسان، أسماء الناس في المملكة العربية السعودية: 396 - 398. وسمعت أحد كبار علماء الفقه يمدّ الفعل (علا) فيقول:"الله جلّ وعلاء".

(3) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 90 - 91

(4) عبدالتواب، مشكلة الهمزة: 128.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت