فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 63

ولا يختلف تفسير هذا عن سابقه، والصرفيون يعللون ذلك بأن العلة تحركت بعد فتح فقلبت ألفًا. وهذا وصف للظاهرة لا تعليل لها، والعلة كراهة المقاطع القصيرة المفتوحة. وقد حذف المقطع العلّيّ وعوض عنه بمطل الحركة، كما حدث في الفعل الأجوف.

ويفرق ابن جني خلافًا لجمهور الصرفيين بين تغير (الواو) ثالثة ورابعة؛ فالثالثة قلبت ألفًا، أما الرابعة فمرت بمرحلتين: الأولى قلبها إلى ياء والثانية قلبها إلى ألف. والذي دعاه إلى قول ذلك أن الفعل عند إسناده إلى ضمير متحرك تظهر الواو الثالثة، وأما الرابعة فتحل الياء محلها. قال:"وأما إبدالها منهما منقلبتين فقولهم: (أَعْطَى، وأَغْزَى، واسْتقْصَى، ومَلْهًى، ومَغْزًى، ومَدْعًى) أصل هذا كله: (أعْطَوَ، وأَغْزَوَ، واسْتَقْصَوَ، ومَلْهَوٌ، ومَغْزَوٌ، ومَدْعَوٌ) فلما وقعت الواو رابعة فصاعدًا قلبت ياء، فصارت في التقدير (أَعْطَيَ، وأَغْزَيَ، واسْتَقْصَيَ، ومَلْهَيٌ، ومَغْزَيٌ، ومَدْعَيٌ"فلما وقعت الياء طرفًا في موضع حركة وما قبلها مفتوح قلبت ألفًا، فصارت:(أَغْزَى، وأَعْطَى، ومَلْهى، ومَغْزى) فالألف إذن إنما هي بدل من الياء المبدلة من الواو" [1] ."

ولا مناص من موافقة ابن جني على تغير الواو إلى ياء ولكن يبقى التعليل لذلك وهو عندي أن العربية تفضل في الكلمات الطويلة الياء؛ لأنّ الياء متقدمة مخرجًا على الواو المتأخرة، وملاحظ أن معظم الأصوات المؤلفة للكلام متقدمة في منطقة الغار واللثة والأسنان والشفتين. والياء غارية أما الواو فهي طبقية.

مولع ابن جني بالمقلوبات المتتابعة قال:"وأما إبدالها عن الواو المبدلة فنحو قولك في ترخيم (رَحَويّ) اسم رجل على قول من قال (يا حارُ) : (يا رَحا أقبلْ) وذلك أنك حذفت ياء النسب، فبقي التقدير (يا رَحَوُ) فلما صارت الواو على هذا المذهب حرف إعراب، واجتلبت لها ضمة النداء كالضمة المجتلبة في راء (حارِث) إذا قلت (يا حارُ) أبدلت الواو ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فقلت: (يا رَحا أقبلْ) فالألف الآن في (رَحا) إنما هي بدل من الواو في (رَحَويّ) والواو في (رَحَويّ) بدل من ألف (رَحًى) في قولك: هذه رَحًى، ورأيتُ رَحًى، ومررتُ برَحًى، وألف (رَحًى) هذه بدل من الياء التي هي لام في (رَحَيان) . وكذلك القول في ترخيم (فَتَويّ وهُدَويّ وشَرَويّ) على لغة من قال: (يا حارُ) إذا قلت: (يا فَتَى ويا هُدَى ويا شَرَى) لا فرق بينهما" [2] .

ولسنا نوافق ابن جني في جملة من المسائل: أولها أن هذه الواو ليست بدلًا من شيء؛ فهي واو اجتلبت لتلصق بها لاحقة النسب، وكانت واوًا تجنبًا للمتماثلات؛ إذ لاحقة النسب ياء مضعفة مسبوقة بكسر. وأسمي هذه الواو (واو الوقاية) لأنها تقي اللفظ من تأثير الكسرة. أما الألف من (رحى) فهي حركة طويلة فقصرت تخلصًا من المقطع الطويل في وسط الكلمة:

رحاويّ • رحويّ

(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 2: 672.

(2) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 2: 673.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت