فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 63

والآخر: ضعفه وسقوطه في القياس، وذلك أن التوكيد من مواضع الإطناب والإسهاب، ولا يليق به الحذف والاختصار، فإذا كان السماع والقياس جميعًا يدفعان هذا التأويل وجب إلغاؤه واطّراحه والعدول عنه إلى غيره مما قد كثر استعماله، ووضح قياسه.

فهذه أيضًا همزة قُلبت عن ألف، أعني همزة (أم) وهي بدل من ألفٍ بدلٍ من همزة، فهذا وإن لطُف وطالت صنعته، أولى من أن تُحمل الكلمة على حذف نون التوكيد لما فيه من قلة النظير وضعف القياس" [1] ."

أبدل بعض العرب الواو في بداية الكلمة همزة قال ابن جني:"نحو قولك في وُجوه: أُجُوه، وفي وُعِدَ: أُعِدَ، وفي وُقِّتَتْ: أُقِّتَتْ. وكذلك كل واو انضمت ضمًّا لازمًا فهمزها جائز ... وأبدلوا أيضًا الواو المكسورة، فقالوا إسادة في وسادة، وإعاء في وعاء. وأبدلوا المفتوحة أيضًا، فقالوا: أناة في وَناة، وأَحَد في وَحَد، وأَجَمَ في وَجَمَ، وأَسْماء في وَسْماء" [2] .

أما الياء ففي قوله:"وقالوا: في أسنانه أَلَلٌ يريدون: يَلَل، فأبدلوا الياء همزة" [3] . ويلاحظ أن الياء مفتوحة، ولا يمثل فتح الياء ثقلًا؛ ولكن وقوعها في بداية الكلمة ربما دعا إلى مزيد من الوضوح الصوتي في هذه الكلمة فأبدلت همزة.

ويذهب لتفسير هذه الظاهرة ضاحي عبد الباقي إلى أن مخرج الهمزة والواو متباعدان ولا توجد علاقة صوتية تجعلهما يتبادلان، ويرد التغير إلى توهم من نطقها همزة أن الواو أصلها همزة وأن غيره نطقها واوًا تخففًا؛ فلذلك نطقها هو بالهمز، ويعد صنيعه هذا من باب الحذلقة [4] . وهذا التفسير الذي جاء عند ضاحي غير مقنع؛ لأنه يفترض أن الهامزين لم يكونوا يستخدمون هذه الألفاظ حتى سمعوها من غيرهم غير مهموزة.

ولكن يمكن أن ندرك عند التأمل أن هذه الواو المبدلة ليست سواء في أحوال إبدالها، فأمثلة إبدال الواو المضمومة والمكسورة أكثر من المفتوحة، وقد أشار سيبويه إلى أن الواو المضمومة مما يجوز إبدال الهمزة مكانها، أما المكسورة فإبدالها كثير، وأما المفتوحة فإبدالها ليس بمطرد [5] .

وعلة ذلك الإبدال هو طلب المخالفة فالضمة والكسرة حركات مرتفعة؛ فاللسان يرتفع إلى أعلى مدى في تجويف الفم، وفي هذا ثقل، أما الفتحة فهي منخفضة، أي أن اللسان يهبط إلى أدنى مستوى في تجويف الفم؛ لذلك تظهر الواو معها. والأمر الثاني أن هذه الواو المغيرة جاءت في أول الكلمة، وهو موضع ارتكاز، وتحتاج

(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 82 - 83.

(2) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 92.

(3) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 92.

(4) ضاحي عبدالباقي، لغة تميم: 322.

(5) سيبويه، الكتاب،4: 331.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت