فما بَقْوَى عليّ تركتُماني ولكنْ خِفْتُما صَرَدَ النِّبالِ
ويروى (بُقْيا) . وقال الآخر:
أُذَكِّرُ بالبَقْوَى على مَنْ أصابني ... وبَقْوايَ أني جاهد غير مُؤْتَلِ
وأصل هذا كله (شَرْيا وفَتْيا وبَقْيا ورَعْيا ووَقْيا) لأن (الشَّرْوَى) من (شَرَيْتُ) و (الفَتْوَى) من معنى (الفَتَى) و (البقوى) من (بَقَيْتُ الشيءَ) إذا انتظرته، و (الرَّعْوَى) من (رَعَيْتُ) و (الثَّنْوَى) من (ثَنَيت) و (التقوى) من (وَقَيْتُ) . وقد تقصيت الأدلة على صحة هذه الدعاوي في كتابي في شرح تصريف أبي عثمان. فإن كانت (فَعْلَى) صفة لم تغير الياءُ منها إذا وقعت لامًا، وذلك نحو (صَدْيا ورَيَّا وخزيا) وقد ذكرت هذا في صدر هذا الكتاب في باب الهمزة" [1] ."
ولسنا نجد علة صوتية نعلل بها هذا التغير. ولكن لعل المسألة - قبل هذا التقنين الذي يشير إليه ابن جني - كانت مسألة لهجية اختيارية. وبيان ذلك أن العلة تحذف في الأفعال الماضية وعند إعادتها في تصاريف أخرى كان منهم من يأتي بياء ومنهم من يأتي بواو. ومن ذلك: أجيئك وأجوءك [2] ، أتوة في أتية [3] ، وفِتية وفُتوة وفتُوّ وفتِيّ [4] ، وهداوى وهدايا [5] ، القصيا والقصوى [6] .
ولعل ما يعزز هذا ما ينقله ابن جني في قوله:"ومما قلبت فيه الياء واوًا ما حكاه أبو علي أن أبا الحسن حكاه من قولهم: (مضى إِنْوٌ من الليل) أي: إِنْيٌ. وأخبرنا قال: قال أحمد بن يحيى: قال ابن الأعرابي: يقال (إِنْيٌ وإنًى) و (مِعْيٌ ومِعًى) و (حِسْيٌ وحِسًى) قال الهذلي:"
حُلْوٌ ومُرٌّ كعَطْفِ القِدْح مِرَّتُه ... بكلّ إنْيٍ حذاهُ الليلُ يَنْتَعِلُ" [7] ."
فالقضية تقابل لهجي في هذه الأمثلة. ومن الأمور التي يستأنس بها جمع بعض الناس (مشترى) على (مشتروات) غفلوا عن أصلها اليائي. وحصوات جمعًا لحصاة. وهذا لا يعني أن التقابل اللغوي ليس له من تفسير لغويّ ففي بعض الأمثلة يمكن التفسير، وأما الأمثلة التي يكون فيها التقابل اختيارًا بين علة وعلة فليس ثمّ ما يفسر. ومن التقابل الذي يمكن تفسيره في لهجات نجد كلمة (ميقعة) في لهجة الوشم وما جاورها و (موقعة) في لهجة القصيم. الكلمة واوية من الجذر (و/ق/ع) فجعلت في (ميقعة) ياء لسكونها بعد كسر حسب طريقة الصرفيين في التفسير أو أن الواو حذفت ومطلت الكسرة تعويضًا عن المحذوف. أما في القصيم فقد تُخُلِّص من علة التغيير وهي الكسرة فقد جعلت ضمة وحذفت الواو ومطلت الضمة تعويضًا عن المحذوف.
(1) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 2: 591 - 592
(2) سيبويه، الكتاب 4: 109.
(3) سيبويه، الكتاب 4: 417.
(4) الجوهري، الصحاح: فتى.
(5) ابن منظور، لسان العرب: هدى.
(6) سيبويه، الكتاب 4: 389.
(7) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 2: 592.