فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 63

وقد أدرك ابن جني هذه العلاقة الصوتية بين الحركات القصيرة والمدود، فذكر أن الحركات أبعاض حروف المد [1] ؛ ولكن هذا الإدراك لم يغير من طبيعة التفكير ولا من المنطلقات التي انطلقت منها المعالجات الصوتية للظواهر، ولأمر آخر هو تقديمه المدود على الحركات لأن الحركات فرع على المدود، وهذا ما يفهم من البعضية. والصحيح أن الحركات هي الأصل أما المدود فهي متولدة عن مطل الحركات.

ومن مشكلات المدود معاملتها معاملة غير المدود، مثال ذلك أنهم لا يفرقون بين الواوين أو الياءين في الفعل الناقص أي في حالتي الرفع والنصب. والصحيح أن بينهما فرقًا؛ فالواو من الفعل (يدعو) والياء من الفعل (يبني) في حال الرفع هي مدة متولدة من مطل الحركة، إذ استثقلت الواو والياء بعدهما الضمة فحذف المقطع وعوض عنه بمطل الحركة السابقة:

ي -َ د ع -ُ و -ُ • ي -َ د ع -ُ ط • ي -َ د ع -ُ -ُ = يَدْعو

ي-َ ب ن-ِ ي -ُ • ي -َ ب ن-ِ ط • ي-َ ب ن -ِ -ِ = يَبْني

أما في حالة النصب فالواو أو الياء باقيتان: لن يدعوَ، لن يبنيَ. ويمكن التمييز بين الحالتين بالميزان الصرفي ففي حال الرفع يوزن يدعو: (يَفْعو) وفي حال النصب: (يَفْعُلَ) . ويوزن يبني: (يَفْعي) ، مرفوعًا، و (يَفْعِلَ) منصوبًا. وينطبق هذا على الأسماء المنقوصة أيضًا.

وتقود الأفكار الخاطئة بعضها إلى بعض فمن ذلك الزعم بأن الألف يمكن أن تتحرك وهم يفسرون بذلك كيف تخلف الهمزة في بعض الألفاظ الألف. ومن ذلك إمكان تجاور الألفين [2] على الرغم من استحالة حدوث ذلك صوتيًّا، وهو أمر أكده ابن جني، قال:"ومن المستحيل جمعك بين الألفين المدتين؛ نحو ما صار إليه قلب لام كساء ونحوه قبل إبدال الألف همزة، وهو خطًّا كساا، أو قضاا، فهذا تتوهمه تقديرًا ولا تلفظ به البتة. قال أبو إسحاق يومًا لخصم نازعه في جواز اجتماع الألفين المدتين - ومدّ الرجل الألف في نحو هذا، وأطال - فقال أبو إسحاق: لو مددتها إلى العصر ما كانت إلا ألفًا واحدة" [3] . ومع ذلك نجد أنّ المعالجة قد تكون معالجة ذات سند نظري منطقي لا تنطلق من أسس صوتية، مثال ذلك تفسيرهم للفظ مثل"إقامة"فهم يزعمون أن"الواو"قلبت ألفًا، ولذلك تجاورت ألفان فحذفت إحداهما لالتقاء الساكنين، أي الألفين في"إقاام". ولم يلتفتوا إلى أن هذا القول يناقض مسلمتين من مسلماتهم إحداهما أن المدود يجب أن تسبق بحركات من جنسها، والأخرى أن المدود يجب أن تكون ساكنة. وهذا ما يقرره ابن جني، قال:"وعلّة امتناع ذلك عندي أنه ثبت أن الألف لا يكون ما قبلها إلا مفتوحًا؛ فلو التقت ألفان مدّتان لانتقضت القضية في ذلك؛ ألا ترى أن الألف الأولى قبل الثانية ساكنة، وإذا"

(1) أبوالفتح عثمان بن جني، سر صناعة الإعراب، تحقيق: حسن هنداوي (ط 1،دار القلم/ دمشق،1985 م) 1: 17.

(2) ابن جني، سر صناعة الإعراب، 1: 83، 84، 85.

(3) ابن جني، الخصائص، 1: 88 - 89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت