وأجاب عن ذلك الحافظ في"الدراية"بقوله (ص 334) :"قلت: لكن لا فرق في نظري بين الروايتين من جهة أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يُقَرُّ على ذلك لو كان حراما، فاستوى الحال بين أن يكون حسره باختياره وانحسر بغير اختياره".
وهذا من الحافظ نظر دقيق، ويؤيده أن لا تعارض بين الروايتين إذ الجمع بينهما ممكن بأن يقال: حسر النبي - صلى الله عليه وسلم - الثوب فانحسر.
وقد جمع الشوكاني بين هذين الحديثين وبين الأحاديث المتقدمة في أن الفخذ عورة بأنهما حكاية حال، لا عموم لها. أنظر"نيل الأوطار" (1/ 262) .
ولعل الأقرب أن يقال في الجمع بين الأحاديث: ما قاله ابن القيم في"تهذيب السنن" (6/ 17) :"وطريق الجمع بين هذه الأحاديث: ما ذكره غير واحد من أصحاب أحمد وغيرهم: أن العورة عورتان: مخففة ومغلظة، فالمغلظة السوأتان، والمخففة الفخذان."
ولا تنافي بين الأمر بغض البصر عن الفخذين لكونهما عورة، وبين كشفهما لكونهما عورة مخففة. والله أعلم"."
وكأن الامام البخاري رحمه الله أشار إلى هذا الجمع بقوله المتقدم:"وحديث أنس أسند، وحديث جرهد أحوط". (1/ 301،302) .
283 ـ حديث القبرين، وفيه:"أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله". صحيح. وهو من حديث ابن عباس - رضي الله عنه -. أخرجه البخاري ... (1/ 66 ـ 67،346،125) ومسلم (1/ 166) .
فائدة: قد جاء في حديث جابر الطويل في صحيح مسلم (8/ 235) بيان التخفيف المذكور في الحديث وهو قوله - صلى الله عليه وسلم:"إني مررت بقبرين يعذبان، فأحببت بشفاعتي أن يرفه عنهما ما دام الغصنان رطبين".
فهذا نص على أن التخفيف سببه شفاعته - صلى الله عليه وسلم - ودعاؤه لهما، وأن رطابة الغصنين إنما هي علامة لمدة الترفيه عنهما وليست سببًا، وبذلك يظهر بدعية ما يصنعه كثير من الناس في بلادنا الشامية وغيرها من وضع الآس والزهور على القبور عند زيارتهما، الأمر الذي لم