لقد كانت حياة أمير المؤمنين (ع) ترجمانا أمينا لأقواله ووصاياه عاش عيشة الفقراء حتى وهو على رأس السلطة! ومنع أهله وأقاربه من متع الدنيا والتبسط فيها ليظلوا مثلا يقتدي به المقتدون.
استمع إليه كيف يخبر عن حال أخيه عقيل الذي افتقر واشتد به الفقر حتى أنه لا يجد مدا من طحين فيأتي أخاه أمير المؤمنين يسأله من بيت المال ما يسد به جوع عياله الذين اسودت وجوههم واغبرت ألوانهم وشعثت شعورهم فيرده رغم تكرار طلبه ومراجعته:
(لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استملحني من بركم صاعا ورأيت صبيانه شعث الشعور غبر الألوان من فقرهم كأنما سودت وجوههم بالعظائم، وعاودني مؤكدا وكرر علي القول مرددا فأصغيت إليه سمعي فظن أني أبيعه ديني واتبع قياده مفارقا طريقي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها فضج ضجيج ذي دنف من ألمها وكاد أن يحترق من ميسمها فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها إنسانها للعبه وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه؟! أتئن من الأذى ولا أئن من لظى؟!.
وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حية أو قيئها، فقلت: أصلة أم صدقة أم زكاة؟ فذلك محرم علينا أهل البيت. فقال: لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية. فقلت: هبلتك الهبول أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟!! [1] .
إنني لأرى العار مجسما يجلجل في أردية ولحى كثيرة حين أقارن بين هذه الحالات وبين ما عليه أصحاب تلك الأردية من غنى فاحش وترف وتخمة ورتع في أموال الناس بل هناك ما هو امر وادهى!!.
او قوله (المال مادة الشهوات) [2] .
ورؤى (ع) وعليه إزار خلق مرقوع فقيل له في ذلك فقال:
(يخشع له القلب، وتذل به النفس، ويقتدي به المؤمن) [3] .
يكنس بيت المال!
(1) - شرح نهج اللاغة 11/ 245
(2) - شرح نهج البلاغة 18/ 193
(3) - شرح نهج البلاغة 18/ 48