(الآية الثانية) قال (: {لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ} . [الحشر: 8 - 10] .
فانظر إلى مديح الله (لهؤلاءِ الطوائف الثلاث، حيثُ بدأ بأعلاهم رتبة وهم(المهاجرون) الذي باعوا دنياهم لدينهم، فتركوا الأهلَ والمالَ والمتاعَ، وهاجروا مع رسولِ الله إلى المدينةِ يريدونَ بذلك ابتغاءَ فضلِ الله ورضوانه، يريدون نصرَ الله ورسوله وإعلاء كلمةِ الإسلام، ذلك أنهم صدقوا مع أنفسهم فصدقوا مع ربهم.
وأمَّا الطائفةُ الثانية وهم (الأنصار) الذين توطَّنوا المدينةَ وأخلصوا الإيمانَ، نذروا على أنفسهم حبَّ المهاجرين وإيوائهم ومعاونتهم، فلا يكتمونَ حسدًا ولا يقبضونَ أموالهم شحًا، بل شعارهم الإيثار، وعنوانهم الإنفاق في سبيلِ الله، فنالوا بذلك قول رسولِ الله فيهم (لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق) [1] .
وأما الطائفةٌ الثالثة وهم (التابعونَ لهم بإحسانٍ) فقد قال الإمام القرطبي -رحمه الله- فيهم: هذه الآية دليل على وجوب محبة الصحابة لأنه جعل لمن بعدهم حظا في الفيء ما أقاموا على محبتهم وموالاتهم والاستغفار لهم، وأن من سبهم أو واحدًا منهم أو اعتقد فيه شرًا إنه لا حق له في الفيء، روى ذلك عن مالك وغيره، قال مالك رحمه الله: من كان يبغض أحدًا من أصحاب محمد، أو كان في قلبه عليهم غل فليس له حق في فيء المسلمين ثم قرأ (وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ ... ) الآية [2] .
(الآية الثالثة) قال الله (: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد: 10] .
(1) أخرجه البخاري (3783) ومسلم (246) .
(2) (الجامعُ لأحكام القرآن) لأبي عبدِ الله القرطبي (18/ 32) .