أجيبَ: كان عَلِيٌّ (يَنْظُرُ نَظَرَ مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ، فَرَأَى أَنَّ الْمَصْلَحَةَ تَقْتَضِي تَأْخِيرَ الْقِصَاصِ لَا تَرْكَهُ، فَأَخَّرَ الْقِصَاصَ مِنْ أَجْلِ هَذَا، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ (فِي حَادِثَةِ الْإِفْكِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا بَعْضُ النَّاسِ [1] .
قلتُ: ثمَّ إنَّ اختيار الخليفة ومبايعته أهمّ بكثير من قتل قتلة عثمان (، وذلك لأن البلاد لا تسير دون خليفة، أو أمير، فكيف يتم قتل هؤلاء القتلة ومن المتوقع حدوث حربٍ ضارية وكبيرة على مستوى الدولة الإسلامية كلها؛ قال الإمام ابن كثير: مع أن عليا في نفس الأمر يكرههم، ولكنه تربص بهم الدوائر، ويود لو تمكن منهم ليأخذ حق الله منهم [2] .
* لَمَّا بُويعَ عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ سنةَ (36 هـ) ، اسْتَأْذَنَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ عَلِيًّا (فِي الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ فَأَذِنَ لَهُمَا، فَالْتَقَيَا هُنَاكَ بِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ، وَكَانَ الْخَبَرُ قَدْ وَصَلَ إِلَيْهَا أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ (، فَاجْتَمَعُوا هُنَاكَ فِي مَكَّةَ وَعَزَمُوا عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِ عُثْمَانَ.
(مفاوضة في تحديد الخروج) اجتمعَ خلقٌ من سادات الصحابةِ وأمهات المؤمنين فقامت عائشة رضي الله عنها في الناس تخطبهم وتحثهم على القيام بطلب دم عثمان، وذكرت ما افتاتَ به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام، ولم يراقبوا جوار رسول الله (وقد سفكوا الدماء، وأخذوا الأموال. فاستجاب الناس لها، وطاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة، وقالوا لها: حيثما ما سرت سرنا معكِ .. فقائل يريد الشامَ وآخر يريد المدينة لمطالبة علي بن أبي طالب بالقتلةِ -وهو رأي أمهات المؤمنين-؛ وقائل يريد البصرةِ لتجهيزِ الخيل والرجال. ثم اجتمع رأي الناس في الخروج إلى البصرةِ.
فجاءَ يَعْلَى بن مُنْيَةَ مِنَ الْبَصْرَةِ، وَجَاءَ عَبْدُ اللهِ بن عَامِرٍ مِنَ الْكُوفَةِ، وَاجْتَمَعُوا فِي مَكَّةَ عَلَى الْأَخْذِ بِثَأْرِ عُثْمَانَ (، فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ بِمَنْ تَابَعَهُمْ إِلَى الْبَصْرَةِ يُريدُونَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ قَدْ قَصَّرُوا فِي الدِّفَاعِ عَنْ عُثْمَانَ (وأم المؤمنين عائشة تحمل في هودج على حمل اسمه عسكر، ومعها أمهاتِ المؤمنين حتى وصلن ذات عرقٍ ففارقنها إلى المدينةِ تبكي ويبكين للمفارقةِ وسمي ذلك اليوم"يوم النحيب" [3] .
(1) (حقبةٌ من التاريخ) (1/ 182) .
(2) (البداية والنهاية) (7/ 257) .
(3) «الْبِدَايَة وَالنِّهَايَة» (7/ 258) القصة ...