(ب) فكرها السياسي المخالف لفكر عثمان: إنَّ نشأة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- في بيت أبيها، العالم بالأنساب، وأيام العرب، والذي كانت وفود العرب تقصده، لمكانته في قريش، وجاهه، ولقضاء حوائجهم، ثم انتقالها إلى بيت النبي بصفته رئيس الدولة ومؤسسها، وما كان يقوم به من أعمال سياسية، كل هذا كوَّن فكرًا سياسيًا لدى أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-، وجعل لها شخصية سياسية مستقلة، قد تتفق مع الآخرين، وقد تختلف معهم، لأنها تنظر إلى الأمور بمنظارها الخاص، لذا كان لها رأي سياسي يخالف بعض أراء أمير المؤمنين وخليفة المسلمين عثمان (, لذا أبدتْ رأيها الذي تراه في صالح الأمة الإسلامية، والتي يهمها أمرها، لأنها تعتبر نفسها مسؤولة عن المسلمين باعتبارها أمًا لهم، ولأنها فرد منهم، والرسول (يقول:(من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم) [1] .
وتقديم النصيحة لأئمة المسلمين قد أمر به الرسول (، بل عده من كمال الدين حينما قال:(الدين النصيحة. قلنا: لمن؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) [2] . من هذا المنطلق كان هناك بعض المواقف السياسية التي كانت فيها لأم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- آراء معينة غير الآراء التي لعثمان -رضي الله عنه-، والكل منهما مجتهد يبحث عن الحق أينما كان، من ذلك حينما (جاء وفد مصر يشكون أميرهم عبد الله بن أبي سرح، عند ذلك أرسلت إليه عائشة: قد تقدم إليك أصحاب رسول الله(وسألوكَ عزلَ هذا الرجل، فأبيت أن تعزله، فهذا قد قتل منهم رجلًا، فأنصف من عاملك) .
(أ) تولي عليُّ -رضي الله عنه- الخلافة:
بقيت المدينة بعد مقتل عثمان -رضي الله عنه- خمسة أيام وأميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر، فلا يجدونه، وذلك أنه (اجتمع المهاجرون والأنصار وفيهم طلحة والزبير فأتوا عليًا فقالوا: يا أبا الحسن هلم نبايعك، فقال: لا حاجة لي في
(1) رواه الطبراني في (الأوسط) (7473) , وهو ضعيف, انظر (السلسة الصعيفة) (310) .
(2) أخرجه البخاري (524) ومسلم (205) .