قال الإمامُ الزمخشري في تفسيره «الكشاف» «3/ 228» :
«لقد برَأ الله تعالى أربعة بأربعة: برّأ يوسف بلسان الشاهد {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّنْ أَهْلِهَا} وبرَّأ موسى من قول اليهود فيه بالحجر الذي ذهب بثوبه .. وبرّأ مريم بإنطاق ولدها حين نادى من حجرها {إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ} وبرَّأ عائشة بهذه الآيات العظام في كتابه المعجز، المتلوّ على وجه الدهر، مثل هذه التبرئة بهذه المبالغات فانظر كم بينها وبين تبرئة أولئك؟ وما ذاك إلاّ لإظهار علو منزلة رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتنبيه على إنافة محل سيد آدم، وخيرة الأولين والآخرين وحجة الله على العالمين، ومن أراد أن يتحقّق عظمة شأنه صلى الله عليه وسلم، وتقدّم قدمه، وإحرازه قَصَب السبق دون كل سابق، فليتلقّ ذلك من آيات الإفك، وليتأمل كيف غضب الله في حرمته، وكيف بالغ في نفي التهمة عن حجابه» انتهى.
* إنَّ حديثَ الإفكِ لجليلٌ أمره، وعظيمٌ مخبره، وهو أصلٌ في بيانِ فضلِ عائشةَ وبراءتها وخيريتها على غيرها، لذا نذكرُ قصة الإفكِ المفصلة في ما رواه الشيخان في صحيحيهما:
عن عَائِشَةَ رضي الله عنها زَوْجِ النَّبِىِّ (قالت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ (مَعَهُ، فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا، فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (، وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ، فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي [1] وَأُنْزَلُ فِيهِ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ (مِنْ غَزْوِهِ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ شَأْنِي [2] أَقْبَلْتُ إِلَى الرَّحْلِ، فَلَمَسْتُ صَدْرِي، فَإِذَا
(1) الهودج ما تركب فيه المرأة على الجمل وهو كالمحفة عليه قبة.
(2) أي الذي توجهت بسببه؛ وهو قضاء حاجتي.