هذان الحديثانِ واضحا الدلالة على فضل الصحابة العظيم الذين نالوه بإخلاصهم وجهادهم مع رسول الله (، وتأملْ في الحديثِ الأولِ أن رسول الله علق الفتح لمجردِ الصحبةِ، فلم يقل(فيكم من رآى رسول الله وكانَ معه) ! ولا قال (فيكم من جاهد أو ناصر) ! ونحو ذلك؛ كل هذا ليبيِّنِ شرف الصحبةِ المطلقةِ لنبي الله محمد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم، وأما الحديث الآخر فهي مزيدُ مزيةٍ ورتبةٍ وتفضيل في كونِ أن الذي رآى النبيَّ وصحِبه ولازمه نالَ قصب السبق من غيره!
* عَنْ أَبِى بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ صَلَّيْنَا الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - (- ثُمَّ قُلْنَا لَوْ جَلَسْنَا حَتَّى نُصَلِّىَ مَعَهُ الْعِشَاءَ - قَالَ - فَجَلَسْنَا فَخَرَجَ عَلَيْنَا فَقَالَ «مَا زِلْتُمْ هَا هُنَا» . قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّيْنَا مَعَكَ الْمَغْرِبَ ثُمَّ قُلْنَا نَجْلِسُ حَتَّى نُصَلِّىَ مَعَكَ الْعِشَاءَ قَالَ «أَحْسَنْتُمْ أَوْ أَصَبْتُمْ» . قَالَ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِى فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لأُمَّتِي فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا يُوعَدُونَ» [1] .
قوله (أَمَنَة السماء) الأَمَنَةُ: جمع أمين، وهو الحافِظُ، أي: إن الملائكة حفظة السماء.
وقوله (أتى السماء ما توعد) إشارة إلى انشقاقها وذهابها.
وقوله (وأنا أمنةٌ لأصحابي) قال بعضهم: الأمنة الوافر الأمانة؛ الذي يؤتمن على كل شيء، سُمِّي المصطفى (به لأنه ائتمنه على وحيه ودينه [2] .
وقوله (أتى أصحابي ما يوعدون) إشارة إلى وقوع الفتن، ومجيء الشر عند ذهاب أهل الخير، فإنه لما كان (بين أظهرهم كان يبيِّن لهم ما يختلفون فيه، فلما فُقِد جَالت الآراء واختلفت، فكان الصحابة يُسنِدون الأمر إلى رسول الله (في قول أو فعل أو دَلالة حال، فلما فُقد الصحابة قلَّ النُّور وقَويت الظلمة [3] .
(1) أخرجه مسلم (6629) .
(2) (فيض القدير بشرح الجامع الصغير) (6/ 386) للعلامة عبد الرؤوف المناوي.
(3) انظر (إكمال المعلم شرح صحيح مسلم) (7/ 285) للقاضي عياض, و (المنهاج بشرح صحيح مسلم بن الحجاج) (16/ 83) للنووي, و (فيض القدير بشرح الجامع الصغير) (6/ 385) للمناوي, و (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح) (17/ 304) لملا علي القاري.