أ- أن العولمة ما كانت ظاهرة اقتصادية وسياسية وتقانية فحسب، وإنما ظاهرة ثقافية أيضار إذ طالت بنتائجها مجال الثقافة والقيم وكان لها فيه آثار بالغة, وتحول هذا المجال إلى ساحة من ساحات فعلها المباشر, فاشتغلت السياسات العولمية على قيمة وحولتها إلى موضوع مباشر للاستثمار. ومن شدة الاهتمام بالوجه الثقافي للعولمة والانصراف إليه أصبح الكثيرون يختصرون العولمة في ظاهرتين ثقافيتين: الإعلام الفضائي والانترنت.
ب- أن العولمة لم تتوسل بالتقانة الحديثة وبأدوات الاقتصاد والتجارة والمال والسياسة بقصد تحقيق إستراتيجيتها للسيطرة والهيمنة, وإنما توسلت إلى ذلك بأدوات ثقافية أيضا, ومحاولة السيطرة على المجالين الإعلامي والمعلوماتي لتسخيرهما في الهيمنة هي الدلالة على المكانة الحيوية والقيمة الوظيفية للأدوات الثقافية في مشروع العولمة وإستراتيجية قواها.
ج- أن للعولمة ثقافة خاصة يمكن تسميتها بثقافة العولمة: الثقافة التي تبشر بقيم العولمة وتروج لها وتلمع فوائدها ومكاسبها وتموه على مساوئها أو تهون من وطأتها. وليست ثقافة العولمة هذه سوي أيديولوجيا العولمة, أي منظومة الأفكار والمفاهيم التي تبررها العولمة وتقدمها للرأي العام في صورة البديل الإنساني الأكثر نجاعة للمستقبل.
ختاما تأتي قضية العولمة وتأثيرها لتلقي مزيدا من الضوء على الأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية في كوريا الشمالية, فلايزال النظام السياسي يقاوم توجهات الانفتاح السياسي على الخارج ويتجنب الحديث عن قضايا الحريات السياسية وحقوق الإنسان والتعددية السياسية. وفي الجانب الاقتصادي تبدو خطوات النظام في الانفتاح الاقتصادي وتبني نظام السوق بطيئة جدا مقارنة بالأوضاع الاقتصادية المتدهورة في البلاد وحاجة البلاد إلى الغذاء والنقد الأجنبي لسد احتياجاتها الأساسية. وهذا ما يجعل من الانفتاح والشراكة مع المستثمرين الأجانب احد الحلول المهمة لتجاوز الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من عقدين من الزمن.
أما في الجانب الثقافي فكوريا الشمالية لا تزال في حالة عزلة وانغلاق يحرص النظام السياسي على استمرارها وضمان هيمنته على كل أشكال الممارسات الثقافية والترويج الثقافة النظام القائم وأفكاره. وهذا ما يجعل من البلاد تعيش نمطا ثقافيا واحد, إلا أن
حالة الانغلاق والعزلة لا تمثل الحل الأمثل لتعايش البلاد مع العولمة الثقافية وهذا ما