دفاعا سلبية عن الثقافة والأنا الجمعي, إلا أنها تظل في النهاية مظهرا من مظاهر المقاومة الثقافية المشروعة وان كانت معركتها مع العولمة خاسرة في آخر المطاف إن لم تتحول إلى مقاومة إيجابية تتسلح بالأدوات عينها التي تحققت بها الثقافة العولية (1)
فالعولمة تراكم بالتدريج وضعا جديدار مما يشكل تحديا ثقافيا أمام الشعوب والثقافات والدول. وهذا الوضع سيساعد على اختراق السيادة الثقافية للدولة القومية وليس التحدي الحقيقي للدولة القومية هو إقامة سد ترابي أمام فيض العولمة الثقافي, بل يكمن في إحياء ثقافي ضروري, يكون قائما على أساس عقلاني, وليس على أساس ردود الأفعال التي لا تحقق الأهداف, وتدفع بالنتيجة المجتمعات إما إلى الانغلاق الثقافي الذي أصبح من الصعب اليوم تحقيقه في ظل العولمة, أو الذوبان غير المدروس في إطار العولمة, وكلا الموقفين لا يوصل إلى تحقيق الهدف الثقافي. فالمشكلة إذا هي مشكلة التوفيق بين العولمة الثقافية وأهدافها ونظامها وثوابتها من جهة, وثقافة المجتمعات خارج المركز الغربي التي تعمل حثيثا على تطوير ثقافتها في ظروف غير متكافئة ولا مناسبة. إلا أن ذلك لا يعني أن لكل شعب ثقافته الفردية المنعزلة وخصوصياته المطلقة التي تفرض عليه الانغلاق على نفسه, فالجمود والتحجر يؤديان بلا شك إلى الذبول ومن ثم الوهن. (2)
والحقيقة. لم تكن النتائج والآثار الثقافية للعولمة أقل وطأة من نتائجها وآثارها الاقتصادية والسياسية,
ويفرض التحليل الثقافي للعولمة التعرض إلى ثلاثة حقائق مهمة هي (3) :
1 -عبد الإله بلقزيز. العولمة والهوية الثقافية: عولمة الثقافة أم ثقافة العولمة. في أسامة أمين الخولي (محررا) . مصدر سابق. ص 319.
2 -تشير أغلب الدراسات التي تناولت العولة إلى اتجاهين احدهما يشير إلى أن العولة تقود إلى الاختراق الثقافي وفرض قيم وعادات وأفكار الرأسمالية التي تقودها الولايات المتحدة, أي فرض الثقافة الأمريكية. فيما يشير الاتجاه الآخر إلى أن العولمة تقود إلى التفاعل الثقافي بين الشعوب والمجتمعات, وهي لا تقود إلى إلغاء الخصوصية الثقافية بقدر ما تقود إلى التفاعل بين الثقافات, مما يولد ثقافة مشتركة أكثر انفتاحا بين الشعوب، إلا أن أنموذج التنمية البشرية المستدامة يؤكد على الخصوصية الثقافية مع ضرورة التفاعل الثقافي بين الشعوب أيضا, وذلك للانفتاح على ثقافات وحضارات الغير التي تجعل الإنسان أكثر انفتاحا وأكثر وعيا واطلاعار وبما يجعله عنصرا فاعلا داخل مجتمعه. وللمزيد من التفاصيل أنظر: رعد سامي عبد الرزاق التميمي. العولمة والتنمية البشرية المستدامة في الوطن العربي. دار دجلة. عمان. 2008. ص 195 - 196. أيضا: بدرية البشر. مصدر سابق. ص 31 - 32.
3 -فالعولمة الثقافية تعمل على تنميط الأخلاق والقضاء على الثقافات لصالح تكوين حضارة مادية لتكريس هيمنة وسيطرة الطرف القوي. وهنا تنطوي العولمة على ثنائية متلازمة تتأرجح بين التوحيد والتفكيك. وهي حين تتجاوز الدولة والانتماء القومي تفرض على المجتمعات نمطا جديدا من المفاهيم الثقافية الغريبة عنها بيئيا وتاريخيا، وذلك عن طريق المعلومات عبر التقنيات الإعلامية والثقافية المتطورة والحديثة. وهنا تبرز مرتكزات ثقافة الهيمنة التي يمكن القول أنها اللغة والجامعات على مستوى العالم ووسائل الاتصال. وللمزيد من التفاصيل أنظر: حسين على إبراهيم. مصدر سابق. ص 25 - 26. عبد الإله بلقزيز. العولمة والممانعة: دراسات في المسألة الثقافية. مصدر سابق. ص 22 - 24.